2005-09-21

رسالة الى صديق

اخى العزيز حسنى ..
لم استطع الرد على رسالتك فى المرة الأولى .. بل انى حاولت ان اخرج منها بفكرة محددة متماسكة افهم منها مغزى كلامك .. واعتذر لك بأنى فشلت تماماً ، وردى هذا جاء بعد ان اعدت ارسالها مرة اخرى ، لذا دعنى ابدأ من نقطة محددة – ودعنا اولاً نتفق على شئ – اننا اخى الفاضل افراد ننتمى الى هذا البلد .. ونعيش فيه ولانرضى عنه بديلاً ، حتى لو حلقت احلامنا يوماً بحثاً عن اليوتوبيا فى اى رقعة من الأرض .. علنا نجد فيها ما لم نجده فى اوطاننا
اخى العزيز سأبدأ معك من نقطة الأنجازات تلك الكلمة التى اصبحت لفرط استخدامها كلمة مدنسة تثير الغثيان اكثر من اى شئ آخر .. انت ترى ان فى مصر انجازات تحققت وتنتظر ان يتحقق المزيد على يد الرئيس مبارك البالغ من العمر ثمانون عاماً ( ألا تلات حتت ) ، واظن – وليس كل الظن اثم – انك لن تمانع فى ان يكمل الابن مسيرة الأب وان ليس فى الأمر غضاضة على الأطلاق بل انها سنة الحياة فالله قد رفع بعضنا على بعض درجات ، لذا فما المانع ان يرث الأبن ابيه ، أليست تلك عادات القبيلة الأسرة الشريفة النسب هى التى تتوارث مشيخة القبيلة والعامة والغوغاء والدهماء من البشر ليس عليهم الا السمع والطاعة والمبايعة ... ومرحباً بفكر القبيلة وجاهلية القبيلة
اخى الفاضل .. تأمل معى اسماء الدول الاتية
ايران .. دولة مسلمة شيعية ( ولا تقل لى الشيعة كفرة بالله عليك ) دولة دينية .. شوكة فى حلق العالم الغربى .. تناور سياسياً .. وتقوى عسكرياً ، وترد الصاع صاعين ويُعمل لها الف حساب ... تلك دولة انجزت شيئاً .

كوريا الشمالية .. دولة بوذية " كافرة " .. شوكة اخرى فى حلق العالم الغربى والطرف الآخر لمحور الشر .. تناور هى الأخرى سياسياً .. بل وتتجاسر لتهدد الصقر الأمريكى بالرد النووى على اى عدوان .. تلك دولة اخرى انجزت شيئاً .

ماليزا .. دولة مسلمة " مدنية ولن استخدم علمانية فى هذا السياق فاعتقد ان العلمانية فى وقعك كفر والعياذ بالله " .. دولة كانت سنة 1981 اكثر تعاسة وفقراً من مصر .. وفى عشرين عاماً فقط سيطرت على صناعات الأليكترونيات فى شرقنا البائس .. حتى باتت افضل قطع غيار الأجهزة الاليكترونية والكهربائية هى القادمة من ماليزيا .. ومتوسط دخل الفرد فيها الآن ( 1500 دولار شهرياً ) .. والشئ الأكثر عجباً هو ان شيخ القبيلة فيها ( اقصد رئيس الدولة ) قد ترك منصبه بأرادته بعد ان صنع انجازاً بحق .. تلك دولة انجزت شيئاً .

الهند .. مليار وثلاثمائة مليون نسمه ( طوفان بشرى من اكثر من الف ديانة وملة ) .. عملاق صناعة البرمجيات فى شرقنا ( الاوسط ، او الأدنى ، او الأقصى .. كيفما يحلو لك ) .. دولة نووية لا تستورد 50% من خبزها .. تلك دولة انجزت شيئاً .

الصين .. " دولة شيوعية .. كافرة والعياذ بالله " ، وطوفان بشرى اخر .. دولة عملاقة بكل معنى الكلمة .. اذا فتحت صنبور الماء خرج منه منتج صينى .. دولة تكتفى ذاتياً ولا تستورد قوت يومها ايضاًً .. ولولا ان الصين " انشف " من ان تمضغ .. لكانت هى ( النموذ المثالى للعدو الذى يحتاجه الغرب ) .. تلك دولة انجزت شيئاً .

هل استمر فى عد اسماء دول اخرى .. تايوان ، هونج كونج ، كوريا الجنوبية ، سنغافورة ..... وتطول القائمة .
ستتعجب اخى الفاضل من كون ان تلك الدول بينها " البوذى ، والشيوعى ، واللادينى ، المسلم الشيعى ، والمسلم السنى ، المسيحى ، دول دينية ودول مدنية .. " خليط يدعو للتأمل ، ولن تجد الأ اسباباً واحدة لنجاحها جميعاً وهى كما ذكر د/ زويل الارادة .. والمقصود هنا ارداة رئيس الدولة فى خلق حالة تقدم وشحن الأمة بكاملها لتحقيق تلك الأرادة.. لا التعلل بنسبة السكان العالية " 70 مليون ... فقط " ، والرؤية .. وايضاً هى رؤية المؤسسة الحاكمة فى تحديد اتجاه للسير نحوه .. وتقريب الكوادر الصالحة لخلق تلك الرؤيا .. ووضع الخطط وتنفيذها " لا خططاً خمسية .. اصبحت مثار سخرية للجميع " .
اخى الفاضل .. ان من يقول لا للرئيس مبارك لا يكره الرجل .. فالأمر ليس له علاقة بالكره او الحب هى فقط كلمة " لا " يقولها أناس شعروا بأن دولاً حققت انجازات فعلية يشعر بها الناس ليل نهار ، كانت مصر اولى ان تحققها منذ اعوام مضت .. دولاً لا تركع بدعاوى اوراق اللعبة .. دولاً لم تتخشب ولم تتيبس .. بدعاوى الأمن والأستقرار .
اخى الفاضل .. دعنا نتسامى عن " جدلنا العقيم " حول نور ومبارك حول امريكا وحركة كفاية ( فوحده الله اعلم بسرائر النفوس ) ودعنا ننقاش مبدأ عاماً .. نحن بحاجة للتغيير .. أليس كذلك .. (اخشى والله ان تقول بأن الأمور زى الفل وساعتها سيكون ذنبى برقبتك ) فقد اصبحناً فى الثلاثينات من اعمرانا .. وبدأت بطاريات احلامنا فى النفاذ .. بعد ان باتت الأحلام تتسرب واحداً تلو الأخر فى انفاق مظلمة من المحسوبية والواسطة والرشوة واستغلال النفوذ والسرقة العلنية والسرية وامتهان الكرامة على يد فرد امن يُمنح ضوءً اخضر بفعل ما يحلو له ..
التغيير .. فليس عيباً او حراماً ( واقسم لك بأنه ليس كفراً ) ان نقول لحاكمنا شكراً لك على ما فعلت طوال 24 عاماً ويكفيك هذا ووجب عليك ان ترتاح بعد ان وصلت من العمر ارذله .
التغيير .. فمن حقنا ان نرفض ان يقوم الرئيس بعملية فرض ابنه علينا ولو قال عكس ذلك فالأفعال تتجه نحو هذا المنحدر ألست معى فى ان هذا يشبه تماماً ما يفعله اى مسئول حين يقوم بتعيين ابنه او احد اقربائه فى وظيفه.. هناك مئات قادرين على شغلها بنفس الكفاءة لا لشئ الا انه ابن المسئول .. الرئيس فهو ظلم لى ولك .. ولا تقل لى بأن سبعين مليوناً من البشر وان بلداً بحجم مصر لا يوجد به من يصلح لقيادتها نحو ألفية جديدة .
التغيير .. اخى نحن هنا نتعامل مع بشر مثلى ومثلك يخطئ ويصيب ، مع موظف تم اختياره لمنصب رفيع .. لسنا بصدد التعامل مع اب او شيخ العائلة ، هذا ليس نكران للجميل .. ليس جحوداً أو حَجْراً على كبير عائلتنا .. نحن نطلب من رجل ان يرتاح من وظيفته .. لأن وظيفته التى لم ينجح فى تحقيق انجاز فيها .. تؤثر فى حياتى وحياتك .
التغيير .. فالأنجازات اخى العزيز .. ليست الكبارى والمجارى .. ليست مترو الأنفاق وكَمْ الأِنفاق ، تلك امور كما يقول " هيكل " ( واخشى ايضاً ضمن ما اخشاه ان تلعن الرجل وتحسبه ناصرياً اشتراكياً حاقداً ) تلك امور من صميم المهام الوظيفة ، فماذا اذن كان يفعل طوال 24 عاماً اذا لم ينجح حتى فى عمل كبارى وشبكات مجارى ..
التغيير .. لأن كل شئ فى مصر لا يسر وهذا ليس تجنياً او كرهاً وتأمل المنظر العام حولك , وتأمل فى حالى وحالك .. نعم انا اعمل ( واحمدالله على هذا بعد ان بات الحصول على وظيفة فى مصر حلماً لم يعشه آلاف من الشباب حتى الآن على الرغم من تخرجهم من كلياتهم منذ سنين ) نعم اعمل وفى هيئة اجنبية ، ومع ذلك حاولت ان اغير هذا والمنحة التى درسناها سوياً كانت محاولة لتغيير الأتجاه واعترف بأنى لم انجح فى ذلك ولهذا عدت .. عدت بعد ان لم توفى بلدى لى بحقى .. حقى الذى سُلب حين تم رفض تعينى معيداً بالكلية التى درست بها .. لأن ابن عضو هيئة تدريس اخذ مكانى .. حقى الذى حين فكرت بلدى بأن تمنحنى جزء منه .. وظفتنى مهندساً زراعياً براتب 190 جنيهاً حاولت جاهداً لمدة تقرب من العام ان احسنها بشتى الطرق ومن اكثر من رافد آخر وكان امراً قاسياً .. ولهذا عدت وانا اكثر اصراراُ بأننا نستحق الأفضل .. انت وانا وكل شاب مصرى يعانى الأمرين حتى يفى بمتطلباته الأساسية .. لا ابحث عن الترف فلا احلم بسيارة فارهة ولا قصراً او حتى اكثر من شقة 3 غرف وراتب يكفينى ويشعرنى بالأمان لى ولأسرتى اذا ما فكرت فى تكوين اسرة .. حقى وحقك فى ان تجد ثمرة لتعبك .. فلى زملاء يحملون درجات الماجستير والدكتوراه .. يعملون مؤقتاً بمكافأة شاملة 120 جنية منذ عشر سنين.. اى استهتار هذا باحلامنا .. ( وهذا والله ليس مبالغة او تجنياً ) ومع ذلك ادرس حالياً لدرجة الماجستير اقتناعاً بأن هناك غد افضل قادم .. واقتناعاً بأن عليا ان احاول تحقيق حلمى طالما لازلت اتنفس.
شئ اخير احب ان اضيفه .. هناك فرق يا سيدى الفاضل بين مصر ( البلد والوطن ) وبين المؤسسة الحاكمة فمصر ليست شخص .. فهى ليست مصر مبارك اطلاقاً هى بلدنا نحن .. نحن من يتعب ويعمل .. نحن من يحلم ولا تتحقق احلامه .. نحن من نطفح الكوته ونرفض ان تمس كرامتنا ولو بالاشارة .. نحن من يرى بلده تركع وتزداد ضعفاً على ضعف .. نحن من نرى الكوريتين ( الشمالية المعارضة تهدد امريكا نووياً .. " القوة " ، الجنوبية تملئ موديلات سياراتها شوارع مصر .. " الثراء " ) ونحن لا طلنا بلح اليمن او عنب الشام لا مواليين ولا معارضين .. نحن بين بين ، راكعين متوسلين متسولين .
اخى الفاضل .. لم اكن انوى الرد على رسالتك ( ليس تعالياً او كبراً ) لكنه تعباً وذهولاً وعدم فهم لكلامك .. واحساسى بأن هناك شئ لا افهمه ، او لا اراه يجعلك على تمسكك ببقاء الوضع علي ما هو عليه ، فقط اخبرنى فى نقاط محددة ما هو الشئ الرائع الذى تراه ولا اراه .. وكما اتفقنا دعنا من امريكا ونور ومبارك وهذا الجدل المستمر والذى سوف يستمر لست سنوات قادمة هى الفيصل فى تاريخ مصر القادم.
اخى العزيز حسنى .. كنت فى رسالتى السابقة لك قاسياً بعض الشئ لكنى كنت فى حالة استفزاز كاملة .. فاقبل اعتذارى عن الأسلوب لا عن الأفكار .. لك منى كل الأحترام والتقدير

ليست هناك تعليقات: