2012-09-03

ماجستير


سجلت اليوم رسمياً للدراسات العليا لدرجة الماجستير ، بقسم الاجتماع الريفى كلية الزراعة جامعة سوهاج : اسم الرسالة " دور المنظمات غير الحكومية فى فى دعم الريفيين فى المشاركة بالقرارات المحلية بمحافظة قنا "
 
اسجل هذه اللحظة اليوم ، وسأعود اليها اذا قُدر لي ان استمر .. او تستمر الحياة .

2012-05-28

طعن الخناجر ولا .. حكم الخسيس فيا !


عُد بذاكرتك عام ونصف الى الوراء .. اليوم 25 يناير 2011 ، عطلة رسمية فهو " عيد الشرطة " فى مصر .. وما ادراك ما الشرطة فى مصر ، ارهف السمع قليلاً .. اصوات خافتة لشباب متلفت فى بعض بقاع مصر ، يتجمع فى حذر بعد دعاوى انتشرت طوال اسبوعين تلت هروب طاغية تونس ، على مواقع التواصل الاجتماعى تدعو .. سوف ننزل فى 25 يناير .
تجمعات الشباب تزداد رويداً .. فى ركن هنا ، وركن هناك .. الناس تتابع فى " لا مبالاة " مصطنعة .. وقلوبها يملؤها الشوق الى حدوث أمر ما ..
مواقع التواصل الاجتماعى ورسائل الموبايل وبعض القنوات الخاصة .. تغطى بقع الطهر فى مصر .. سلم نقابات الصحفيين والمحاميين ، دار القضاء العالى .. وغيرها من الأماكن التى ارهقت اجهزة امن مبارك العتيدة طوال 5 أعوام .
تسمع همساً فى كل مكان .. " كلنا خالد سعيد " ، " كفاية " ، " 6 ابريل " ، " الجمعية الوطنية للتغير " .. ينحتون شعاراً مشتركاً ، يتداولونه بعد ان بدا ان المجموعات صارت .. جماعات .
تستمر انت فى حالة " الامبالة " المصطنعة ، وكل خلية فى جسدك ، تدعو ، تأمل ، تتمنى .. تصرخ ، مع هذا الشعار المنتشر كالنار فى الهشيم .. " عيش - حرية - كرامة انسانية " .
فجأة .. ينقلب الوضع رأساً على عقب ، وتنفجرشرايين الشوارع فى مصر ، واذا بآلاف الشباب المصريون يخرجون الى الشوارع فى غضب عارم .. بعد ان هوت مطرقة الشرطة على رؤسهم .. فى عيد الشرطة .
يظهر اسم " ميدان التحرير " لأول مرة .. كنقطة حياة او موت ، صار الميدان قلب الوطن ، الذى بدأ يدمى مع سقوط اول الشهداء ..
تتسارع وتيرة الأحداث ، 26 يناير ، 27 يناير .. دعوات للأحتجاج الأوسع يوم الجمعة 28 يناير .. جمعة الغضب .
الجمعة 28 يناير .. كوبرى قصر النيل .. الشعب المصرى كما لم يكن فى حياته قط .. أعزلاً لا يحمل الا ماء وخل وبصل .. يواجه جحافل الأمن المركزى .. فيسقط الشهداء ، دهساً وقنصاً .. والقبلة ، ميدان التحرير، وكل ميادين التحرير فى مصر .
مذ هذا اليوم والى 18 يوماً تالية ، ادار العالم .. كل العالم ، وجه ناحية مصر .. قلب مصر .. ميدان التحرير .. ليرى بطولة شعب يكافح من اجل اسقاط نظام عتيد .. هو الأسواء فى انظمة الفساد والأستبداد على مدى تاريخ مصر .
" الشعب يريد اسقاط النظام " .. جملة رددها ملايين المصريين ، طوال 18 يوماً صنعت - وسوف تصنع - الى الأبد ، مفصلاً فى تاريخ مصر .
يتنحى الطاغية ويفر واسرته الى المدينة الساحلية ، وتتسلم المؤسسة الأقوى فى مصر .. حكم مصر .
ولأننا شعب مسالم ونقى - وان بدا فى كثير من الأحيان عكس ذلك - صدقنا جنرالات العسكر ، من يديرون المؤسسة الأقوى فى مصر .
ولعام ونصف تالية .. دفعنا ثمن " ثورتنا " ضد الطاغية ، وانتهجت السياسة الأشهر والأرسخ فى تاريخ العالم .. " فرق .. تَسدُ " .
فألب جنرالات العسكر .. كل الشعب على كل الشعب .. وصارت كما يوصف بحق فى كتب التاريخ السياسى .. وتاريخ الثورات .. حرب الكل ضد الكل .. وصُنعت الفوضى صناعة , وكرست الأزمات تكريساً ، ونكل بالثوار تنكيلاً.
بدا ان جنرالات العسكر فى مصر - وان كانت اشكالهم لا تحى بذلك - شديدوا الذكاء ، وربما ألموا بالكثير من كتاب نيقولا ميكيافيلى الخالد " الأمير " ، حيث كيف يمكن ان تساس الشعوب .
عام ونصف .. بعدها عادت الفئران تخرج من الجحور ، بعد ان كادت ان تزهق خنقاً فى حفرها ، وخرجت الثعابين بفحيحها المقيت مرة أخرى .. واكتفى العسكر بالتخلص ممن اراد التخلص منه .. وابقى على من اعد له دوراً .. سيلعبه ان اجلاً ام عاجلاً.
عام ونصف مرت .. دهس فيها المصريون ، خُون فيها الثوار ، وجاع فيها الشعب وفقد أمانه .. قصداً لا خطائاً ، عمداً لا غبائاً.
عام ونصف مرت .. أُرعب فيها المصريون ، وفرُقوا ، وتفرقوا .. وتشاحنوا وتشاجروا وتقاتلوا .. وفقد الجميع فيها الثقة فى الجميع ، بأفعال كانت طوال الوقت .. تدبر بليل .
الآن .. وبعد ان آلت الأمور الى ما آلت ، وبعد أن ابتلع البسطاء من الناس فى كل انحاء مصر طُعم الفوضى ، وبعد أن تكرست جدران عدم الثقة بين الكل .. كفر الشعب المصرى - او قاب قوسين او ادنى - من ان يكفر بالثورة - وهى من ذلك براء - وان يختار بيده ، رمزاً من رموز نظام مبارك ، لا يقل فساداً ولا افساداً .
سيختار المصريون - او يخُتار لهم - رجلاً ، سوف يؤمن لجنرالات العسكر " خروجاً آمنا ً .. وغانماً " ، وسيدرك المصريون بعد فوات الأوان ، ان النظام لم يسقط .. وان ما سقط هو الرأس .. وفى عالم الحيوانات الدنيا .. تنمو الرؤس بأسرع ما تتخيل .
تعجبت فى وقت ما - ولم أفهم - سر ذلك النداء الذى لا طالما استمعت اليه فى القاهرة حين كنت أزورها ، واحج فيها الى ميدان التحرير .. ذلك النداء الذى اطلقه حفنة ممن .. قراء ووعى واستوعب التاريخ ودروسه ، فحذر .. حين غفلت الناس ، وصرخ حين آمنت الناس : ان الذئب هناك فاجتنبوه .. لكن احداً لم يسمع او يعى .
سيبقى ذلك النداء يرن فى اذنى ، وفى عقلى .. كثيراً ، وسيكون هو ملاذى الأخير - حين يصل الى سدة الحكم فى مصر ، جنرال الطيران الفاسد .. صفى مبارك وتلميذه :

يسقط .. يسقط حكم العسكر ..

2012-03-12

داحس والغبراء .. البسوس .. والميكروباص





بعد ان هدأت العاصفة .. وخفت او كاد صوت الرصاص ، وتصالح من تصالح وتنازل من تنازل .. يمكننى الآن ان انشر صوراً عما شاهدته بعينى فى مسقط رأسى قنا من حرب .. حرب شوارع حقيقية ، استخدمت فيها اسلحة خفيفة ومتوسط : الكلاشنكوف - الجرينوف - المولوتوف - والعوزى الأسرائيلى - اضافة للأسلحة البيضاء التقليدية ، وخلفت عشرات المصابين من الجانبين ، وخسائر مالية بالآلاف جراء اشعال الحرائق المتبادل على محلات مملوكة للطرفين . لم يحدث هذا بين اعداء " لا سامح الله " ولا حتى طوائف مختلفة العرق او الدين او المذهب .. كلا وحاشا .. حدث كل ذلك بين حفدة اصحاب " داحس والغبراء " وورثة ثقافة " البسوس " وعشيرتها , بين عبس وذبيان هذا الزمان .. قبائل العرب والأشراف بقنا. 
الأمر الأيجابى فى الموضوع ، ان الحرب فى قنا بين قبائل العرب والأشراف استمرت قرابة الأسبوعين لا اكثر ، وهى رحمة من رب العالمين .. فأخوات تلك الحرب , واعنى حربى " داحس والغبراء " ، وحرب " البسوس " قيل ان كل منها قاربت الأربعين عاماً من الأقتتال بين أطرافها من القبائل العربية.. اجداد قبائلنا فى قنا وورثة ثقافتهم .
الشئ اللافت للنظر فى الأمر ، ان الحرب بين عبس وذبيان والمعروفة بحرب " داحس والغبراء " كان محركها الأول الفرسين داحس والغبراء ، وان الحرب بين بكر وتغلب كان محركها الأول مقتل ناقة لسيدة تدعى البسوس ، وان الحرب بين العرب والأشراف فى قنا كان محركها الأول .. ميكروباص ، يبدوا ان وسائل النقل فى الماضى والحاضر هى .. رأس الفتنة.
تحضرنى الآن كلمة لا اجد فى نفسى حرجاً من ذكرها 
" جاتكم ستين ألف نيلة " 



2012-01-29

حديث مع صديقى .. المتدين.


بعد ان انتهى حوارنا الى – لا شئ – نظر الىَ وفى عينيه غير قليل من الأشمئزاز .. وبنبرة ضيق قال :
-          ألا تغار على دينك !
تحاشيت النظر اليه ، ولم أرد .. غمغم منصرفاً بعد ان تحولت جلستنا الأولى – وأظنها الأخيرة -  منذ ما يزيد عن خمسة عشر سنة لم نلتق خلالها بعد زمالة سنوات الدراسة الجامعية الأربع ، وبعد ان فرقتنا الأيام وجمعنا فيسبوك .. فالتقينا هذا اللقاء الذى بدأ بذكريات الزمالة وانتهى بمآل مصر فى السنوات القادمة .. لم نكن من المهتمين بالعمل السياسى فى الجامعة ، ربما كانت مصر كلها فى هذا التوقيت .. منتصف التسعينيات لم تكن مهتمة بالعمل السياسى ، لكننا ومع مرور الوقت اهتممنا ثم تشيعنا يمنة ويسرة .
سلك زميلى مسلك اليمين ، واطلق لحيته وعلت جبهته " زبيبة " تعلن فى صرامة ان سيماهم فى وجهوهم ، وان زميلى يمم وجه شطر اليمين ، وهذا اختياره .. اما انا فقد كنت ابداً اميل الى اوسط الأمور فلا احب التشدد فى شأن يمس حياتى ، ودائماً ما ادعى بأننى لا افعل الا ما يليه علىَ عقلى فلا أحيد عما يوجهنى اليه وان اختلف مع العديد من مسلمات الناس وعقائدها.
عدت الى سؤاله الغاضب : ألا تغار على دينك !
لم أشاء ان اجيب زميلى ، رفقاٌ به وابقاء على خيط من الماضى يصلنا الى الحاضر او المستقبل .. لكننى أجبت السؤال فى نفسى وبلا تردد أجبته وكأننى أحدثه : 
مذ متى كانت الأديان تحتاج الى غيرتنا او حمايتنا .. تداعت الى ذهنى أقصوصة لطالما حُكيت لنا صغاراٌ ، حين دعا ابرهة الحبشى كبير مكة وشريفها " عبدالمطلب بن هاشم " وهو على مشارفها ينوى هدم بيت الله فيها ، فمثل أمامه داعياً اياه ان يطلب ، فلم يطلب منه عبدالمطلب الأ ان يرد اليه ابله وبعيره .. واطلق مقولته الأشهر : أن للبيت رب يحميه .
نعم ان للبيت رب يحميه ، ولكل بيت رب يحميه .. ولكل ذكر انزل او اصعد له من اصحابه حافظون .
عدت بذاكرتى الى مناطق التباعد بينى وبين صديقى فى الحوار علنى اجد ما اضجره او اغضبه ، كل ما قلته كان بحق هو كل ما اعتقده ، هو اعتقاد رسخته تجارب ما بعد الجامعة وان قلت ، رسخته زيارة الى الخارج " خارج الصندوق " وخارج مصر وان كانت زيارة واحدة ، رسخته قراءة نهمه للتاريخ قديمه ومعاصره وحديثه وان كان بلا قصد .
كل ما قلته لصديقى كان حلماً احلم ان تكونه مصر ..
مصر التى يعلو فيها صوت القانون فوق كل صوت ، قانون نضعه نحن ، نكتبه ونصلحه ونحذف منه حين يحتاج الأمر الى اعادة كتابه او اصلاح او حذف .
قانون يغطى كل جوانب الحياة بتفاصيلها – كما فى كل الدنيا – فيصبح القانون ملزماً لكل من ارتضى ان يحمل هوية وطنى وجنسيتها ، قانون الأصل فيه صالح المواطن ، يكفل له حقوق انتجتها البشرية خلال آلاف السنين ، حقوق صاغتها وراعتها لم تفرق فيها بين دين ودين ولون ولون وعرق وعرق ولغة ولغة ، حقوق لا يختلف عليها انسان فصارت بحق .. حقوق للأنسان.
تلك هى مرجعية القانون الأولى والأخيرة .. حقوق الأنسان ، ويصبح كل تشريع لا يراعى حقوق للأنسان هو تشريع لا ينبغى تطبيقه ايا كان مصدره .
 فتصير القاعدة ألاولى : كل حق ترتضيه جماعة من البشر ولا ينافى الفطرة الأنسانية هو حق من حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثانية : كل أمر يزرع الفرقة بين جماعات البشر ويميز بينها على اى اساس كان هو امر ينافى حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثالثة : كل جماعة من البشر تسكن ارضاً هم مواطنون على هذه الأرض عليهم واجبات متساوية ولديهم حقوق واحدة.
وتصير القاعدة الرابعة : كل تشريع لا يساوى بين هؤلاء المواطنون هو تشريع ضد حقوق الأنسان.
وتصير القاعدة الخامسة والأخيرة : ان ثقافتنا – والدين جزء منها – هى امر واجب المراعاة ، يؤخذ منها ويطبق ما يراعى الأنسان وحقوقه ويستبعد منها ما لا يراعى هذا الأنسان وحقوقه.
جُل بنظرك فى الجغرافيا حولنا ، ودُر بعقلك على التاريخ وأزمانه .. سوف تكتشف ان القانون وحده وسيادته – ومرجعيته الأنسان وحقوقه – هو من رفع أمم كانت بلا اعمدة ، وان ما دونها هو من شتت وفرق واسال بحور الدماء .
اسرائيل وتعنتها .. الهند وباكستان وكشمير وبنجلاديش وتفرقها.. لبنان وحربها الاهلية  .. العراق وتشرزمه .. البلقان وبراميل باروده .. افريقيا وتناحرها ... الخ ، هى امثلة لأمم وقارات تعلو فيها اصوات اخرى غير صوت القانون ويحتكم فيها الى شرائع تميز بين الأنسان والأنسان .. ولا تراعى له حقوقاً.
ان الدين والمذهب والعرق واللون واللغة هى جزء من ثقافة اى أمة قد تكون ألغام – حتماً سوف تنفجر – اذا ما لم تُحيد جميعها ، واذا ما لم يتم صهرها فى بوتقة واحدة ينتج منها سبيكة قيم واخلاق تحافظ على ما هو مضئ من تلك الثقافة ، يكسوها قانون انسانى يلتزم به الجميع ويكون ملاذاً عند الغبن او انتهاك حق انسان.
كان ابرز ما لا حظته  لدى صديقى المتدين ، هو ذلك اليقين المطلق والمعروف فى ادبيات النخبة باسم – الدوجما – بأن ما يفهمه وما يعتنقه من أفكار معدة ومقولبة " سلفاً " هى الحقيقة المطلقة ولا حقيقة غيرها ، وأنها الطريق الوحيد الى النجاة فى الدنيا والآخرة .
وكان أبرز ما لم يفهمه صديقى مما أقول ، أن الشعوب والحضارات فى الماضى والحاضر هى حصيلة تجارب انسانية شديدة الثراء لا ينبغى ان تختزل فى مطلق هنا او هناك او ان اجمل ما فى الأنسان رغبته الصادقة فى البناء على تجاربه حتى تستقيم الحياة ، وان قدراً من الأنفتاح واتساع الأفق كفيل بحل مشاكلنا وان كثرت ، وان تسامحاً صادقاً مع الآخر " ديناً او مذهباً او عرقاً او لوناً او لغة " يقوم على اساس المساواة التامة فى الألتزام بقانون نضعه جميعاً مصدره الأول والأخير .. الأنسان وحقوقه ، هو الطريق الى الجنة .. على الأرض وفى السماء.
ما لم يفهمه صديقى المتدين أننى بدعوتى تلك لا أدعو الى انحلال اخلاقى - كما يزعم – ولا تنحية لدين – كما يرى – لكننى احلم بوطن – ولن امل من تكرارها – يسود فيه قانون مبنى على الأنسان وحقوقه ، تعم ارجائه اخلاق منبعها ثقافته المستمدة من الدين .. كل الدين.

الى صديقى المتدين ، اجابة على سؤالك الأستنكارى : ألا تغار على دينك ! 

أقول لك ما قاله عبدالمطلب بن هاشم منذ مئات السنين  :


 أن لى وطناً أخاف عليه وأغار عليه .. أما البيت فله رب يحميه .

2011-05-29

التاريخ يعيد نفسه .. هذا أمر مؤكد!



من قال ان التاريخ لا يعيد نفسه .. ان التاريخ يعيد نفسه ، مرة ومرات .. وفى الكثير من الأحيان بتفاصيل قد تكاد تكون متطابقة ، وأسوق إليك نموذجاً لهذا التكرار الذى يكاد يكون متطابقاً .


هناك تساؤلات تبدو بسيطة فى ظاهرها ، مركبة فى مضمونها .. تدور فى نفوس المصريين الآن ، تشى بها الأعين وتدور حولها النقاشات والحوارات فى اى لقاء يجمع اثنين من المصريين فأكثر ، التساؤلات فى ايجاز .. 


لماذا كثرت المشاكل ، وزادت الفوضى ، والتهب الصراع بين المصريين فى الأشهر القليلة التالية لأهم واعظم ثمانية عشر يوم فى تاريخ المصريين الحديث ، لماذا كانت مصر كلها جسداً واحداً يراقب العالم قلبه وهو ينبض فى ميدان التحرير .. بأنبهار وأعجاب ، ولماذا تبعثر هذا التوحد وتشرذمت الآراء بعد انقضاء تلك الأيام المجيدة .. هذا فيما يخص المصريين فى سلوكهم كأفراد وجماعات.


التساؤل الثانى غالباً ما يدور حول من بيده صنع القرار فى مصر الآن وأقصد به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، والذى كانت " جمعة الغضب الثانية " 27 مايو 2011 موجهة بالدرجة الأولى الى لفت أنظاره بأن هناك شيئ ما يقلق المصريين على ثورتهم ، مجمل هذه التساؤلات ، لماذا يبدو المجلس العسكرى مرتبكاً فى بعض الأحيان فى اتخاذ القرارات ، لماذا يتصرف على نحو غير مفهوم فى الكثير من الأوقات ، لماذا تبدو المسافات تزداد اتساعاً ما بينه وبين الشارع المصرى .. 


ولأن مثل تلك التساؤلات سمعتها عشرات المرات من عشرات الأشخاص ، كانت مفاجأة حقيقة بالنسبة لى ان أجد بعض الأجابات فى صفحات التاريخ ، والتاريخ المصرى على وجه الخصوص ، والأكثر جاذبية .. ان الأجابة كانت فى سياق الحديث عن ثورة المصريين السابقة التى قادها نخبة من شباب الجيش المصرى .. واقصد ثورة يوليو 1952 .


العبارات التالية مأخوذة بنصها من كتاب " فلسفة الثورة " لجمال عبدالناصر ووجدت فيها وفى العديد من صفحات الكتاب الكثير من الأجابات لأسئلة يفرضها الأمر الواقع الآن :


" لكل شعب من شعوب الأرض ثورتان  :
ثورة سياسية ، يسترد بها حقه فى حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه ، او من جيش معتد أقام فى أرضه دون رضاه.

وثورة اجتماعية ، تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد.

نحن الآن أمام تجربة هائلة أمتحن بها شعبنا وهى ان نعيش الثورتان معاً فى وقت واحد ، مبعث هول التجربة أن لكل من الثورتين ظروفاً مختلفة تتنافر تنافراً عجيباً وتتصادم تصادماً مروعاً ..
أن الثورة السياسية ، تتطلب لنجاحها وحدة جميع عناصر الأمة وترابطها وتساندها ونكرانها لذاتها فى سبيل الوطن كله.
والثورة الاجتماعية ، من أول مظاهرها تزلزل القيم وتخلخل العقائد ، وتصارع المواطنين مع أنفسهم أفراداً وطبقات ، وتحكم الشك والكراهية والأنانية

وبين شقى الرحى هذين .. قدر لنا أن نعيش اليوم فى ثورتين : ثورة تحتم علينا ان نتحد ، ونتحاب ، ونتفانى فى الهدف .. وثورة تفرض علينا – برغم ارادتنا ، ان نفترق وتسودنا البغضاء ، ولا يفكر كل منا الا فى نفسه. "

وإليك تلك العبارات الهامة التى وصف بها جمال عبد الناصر حيرة مجلس قيادة الثورة فيما بعد ثورة يوليو 1952 :

" ذهبنا نلتمس الرأى من ذوى الرأى ، والخبرة من أصحابها ومن سؤ حظنا لم نعثر على شئ كثير ..كل رجل قابلناه لم يكن يهدف الا الى قتل رجل آخر ، وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف إلا الى هدم فكرة أخرى ، ولو أننا اطعنا كل ما سمعناه ، لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار ، ولما كان لنا بعدها ما نعمله .. 
ولو أن أحداً سألنى فى تلك الأيام : ما أعز أمانيك ؟ لقلت له على الفور ، ان اسمع مصرياً يقول كلمه انصاف فى حق مصرى آخر. 
وأن احس ان مصرياً قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لأخوانه المصريين .
وأن أرى مصرياً لا يكرس وقته ، لتسفيه آراء مصرى آخر . "

ألست معى بأن التاريخ يعيد نفسه .

2011-05-25

عن الحمير .. وأشياء اخرى.

هل من الممكن ان يحسد  " بنى آدم "  الحيوانات على معيشتها ، سيندفع فوراً من يملأ وجهك برزاز ريقه اذا ما طرحت هذا السؤال فى وجهه غاضباً ، مغضباً ، غضوباً .. صارخاً بأن الله كرم " بنى آدم " على كل خلق الله ، خلقه فى أحسن تقويم وكرمه بالعقل .
صحيح .. لكن تأمل معى الأبيات التالية - وهى التى دعتنى فى الأصل كى اسأل هذا السؤال - الأبيات للشاعر الأمريكى والت ويتمان والتى يفتتح بها الفيلسوف الأنجليزى برتراند راسل كتابه البسيط والممتع - والذى كثيراً ما أعود اليه - " البحث عن السعادة " .

أتمنى لو أنى استطيع ان اعيش مع الحيوانات ، فهى رابط الجأش وقانعة بذاتها
اقف واتأمل فيه ملياً
فلا أراها تعبر عن حالها بالعواء المستمر
ولا تستيقظ فى الظلام ، تبكى خطاياها
ولا تمرضنى بمناقشة واجبها تجاه الله
وليس بينها ناقم ولا من ابتلى بالهوس فى اقتناء الأشياء
ولا بينها من ينحنى للآخر ولا لجنسه الذى عاش قبل الآف السنين
ولا بينها محترم ولا بائس على سطح الأرض

الا يبدو الشاعر محقاً بعض الشئ فى رغبته ، قارن بين ما يفعله " بنى آدم " بنفسه وببنى جلدته .. وما يفعله اى كائن آخر ببنى جنسه .. هل رأيت يوماً فى حياتك حمار يكره جاره لأنه مختلف عنه فى اللون او الشكل او صوت النهيق أو .. الخ ، هل رأيت يوماً حمار يقتل حماراً آخر لأن حمارة من أقاربه تزوجت حمار من خارج القبيلة ، هل رأيت يوماً حمار ينهق معتصماً طالباً بتخليص اخت له فى الحمورية تم احتجازها من قبل مجموعة حمير أخرى لكونها اعتنقت فكرة او عقيدة أو .. الخ مخالفة او مطابقة لمجموعته الحميرية .
كلاً .. لا تعرف الحمير ولا سائر مخلوقات الله الأخرى مثل تلك النزعات والنزاعات البشرية ، آدمية الطابع والتى يتباهى بها " بنى آدم " على غيره من الكائنات ، أعرف أنك ستعود مرة أخرى الى تنبيهى بأن " بنى آدم " مكرم بعقله وتمييزه فى شتى تصرفاته ، فأن كان هذا رأيك فدعنى أقولها صراحة .. الا ساء العقل وحامله ، وبئس التمييز هذا الذى يفعله .. إن كان يحملنى على ان أكره او انبذ اواقصى اوابعد وربما حتى اقتل .." آخر " من بنى جنسى فقط لأنه مختلف عنى لسبب او لآخر ، علا شأن هذا السبب او صغر .
قبل ان تبدأ فى صب اللعنات اذكرك واذكر نفسى بأنه ما من كائن على وجه الأرض الا ويحمل قدراً من التمييز ، وتأمل معى تلك الآية القرآنية .. " وأن من شئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم " .. أليست الحمير وكل الكائنات غير البشرية - طبقاً للآية الكريمة - تفهم من الدين ومن فلسفة الدين .. أفضل من " بنى آدم " وعقله وتمييزه ، أليس الشاعر محقاً حين عبر عن رغبته فى الأبيات السابقة .. لا ابحث عن اجابة ، فالأجابة عندى محسومة.

2011-02-20

نحو قراءة ليست جديدة .. للعلمانية

أعرف تماماً أنه ليس وقته الآن ، وأدرك تماماً ان مصر والمصريون الآن فى حاجة للألتقاء حول أرضية مشتركة يمكن الوقوف عليها لاعادة بناء مصر الحديثة التى نتمناها جميعا .. واتفهم النوايا الصادقة التى تدعو الى البحث عن نقاط الاتفاق والاختلاف فى مثل هذا الوقت العصيب .. ولكن.
يمكن وصف ما يحدث فى مصر الآن ، عقب تداعيات ما بعد 25 يناير ، ولن اضع مسمى لهذا الذى يحدث .. فإلى ان يلتقط التاريخ انفاسه ويعيد ترتيب أفكاره وصياغة تسميات ما حدث سأكتفى بقولة  " تداعيات ما بعد 25 يناير " ، يمكن وصف ذلك بأعادة احياء التفاعل السياسى المصرى ، فمن المعلوم أن معادلة كيمياء السياسة المصرية قد توقفت منذ زمن .. حيث تاهت المدخلات وخبت - ولا اقول توقفت - بفعل عوامل لا مجال لذكرها الآن ، ثم انعدمت الى حد كبير عناصر الحفز فى هذه المعادلة فكان من الطبيعى ان لا تتكون مخرجات ولا تظهر نتائج لذلك التفاعل السياسى البارد ، الى ان حدث ما حدث وكانت 25 يناير هى العامل المحفز الفيصل فى اعادة التفاعل واحيائه مرة اخرى.
فى اطار هذا التفاعل الصحى والأيجابى الذى بدء والذى من المتوقع ان يستمر الى فترة ليست قصيرة تتجاذب فيها عناصر وتتنافر أخرى ، يسخن التفاعل الى درجات تحتاج معها الى الحذر وتتفاعل اخرى بشكل غير متوقع ، لكنها تبقى على ايه حال .. افضل بكثير من حالة الجمود التى عاشتها مصر طوال العقود السابقة .
اقول فى اطار هذا التفاعل .. يمكن بهدوء التعامل مع بعض القضايا التى تبدو حساسة فى مثل هذه المرحلة ، والتى منها على سبيل المثال الجدل الدائر الآن حول هوية مصر فى المرحلة القادمة ومنبع هذا الجدل هو المادة رقم 2 من الدستور المصرى الحالى التى تجعل من " دين الدولة الأسلام ، والمصدر الرئيسى للتشريع هو الشريعة الأسلامية ".
يمكن الحديث حول هذه النقطة فى محورين أساسين لا ثالث لهما .. أولهما هوية الدولة المصرية ، فقد اتفق - فيما يشبه الاجماع - اننا بحاجة الى دولة ديموقراطية مدنية وهو أمر هام ، لكننا - وهنا نقطة الخلاف الأصيلة - وهو الأهم بحاجة الى دولة .. علمانية.
يقول المفكر المصرى زكى نجيب محمود فى مقال له حول العلمانية " أنا لا اخشى الكلمات ، فما هى الا وعاء أو اطار يحوى مضموناً نستطيع ان نقيم المضمون او المحتوى دون الأحساس بالفزع من هذا الأطار " ، وعلى ذلك فيمكن الحديث عن العلمانية فى ضوء مفهوم مختلف عما يرسخ فى وجدان العامة وبعض الخاصة من كونها بشئ من التبسيط هى فصل الدين عن الدولة بمعنى آخر ان يبقى الدين يعتنقه الأفراد ويمارسون شعائره بكل حرية ممكنة وأن لا تجد المؤسسة الدينية عقبات من اى نوع فى رعاية ابنائها ولا ممارسة دورها الاجتماعى والتوعوى . فى المقابل تلتزم تلك المؤسسة الدينية بعدم الخوض - اطلاقاً - فى اى شأن من شئون الممارسة السياسية وأن لا تمارس نوعا من التوجيه لأفرادها يخالف الدستور والقانون المدنى المتفق عليه من قبل الشعب. يحفظ هذا لكلاً من الطرفين حدوده ومسئولياته .. فيبقى الدين وكتبه المقدسة بعيداً عن ترهات السياسة وألاعيبها ، وتبقى السياسة بعيدة عن تدخلات الرب ومن يتحدثون باسم الرب.
فيما يختص بالاغلبية فى مصر - واعنى المصريون المسلمون وانا منهم - يثير مثل هذا الحديث حنقهم ، ويعدونه نوعاً من هدم الدين المتعمد وأن من يدعون لذلك أما اصحاب اجندات هدامة ، او انهم مغسولوا الأدمغة او فى اضعف الأيمان مهتزوا العقيدة .. ضلوا الطريق الى الصواب.
وبقليل من التريث يمكن طرح القضية على طاولة التشريح وإعمال العقل فى محاولة الخروج من دوائر التابوهات المحرمة والخطوط الحمراء .. الخ . حيث يمكن العودة الى نص المادة مثار الجدل وتقسيم العبارة الى شقين " دين الدولة الأسلام " وفى هذا يمكن الرد ببساطة بأنه من المستغرب بل ومن العجيب أن تمنح شخصية اعتبارية مثل الدولة هذه الصفة .. فلا أهم كيف تكون دولة ما مسلمة او غير مسلمة .. اتمارس اركان الأسلام الخمس ( من الشهادة بالوحدانية وانتهاء بحج البيت ) أم انها تسبح الأ الليل واطراف النهار .. ليس تسطيحاً للأمور لكنه أمر يحتاج الى قليل من التأمل .. أفهم ان الفرد ينتمى الى دين .. وأن المسلم يعتقد فى أركان الأسلام الخمس ويمارسها كاملة ان كان ملتزماً ، أم ان تطلق تلك الصفة على الدولة ككل فهو لعب بالمشاعر ودغدغة لعواطف البسطاء .
للفرد مطلق الحرية فى ان يعتقد فى الدين الذى يشاء وان يمارس طقوسه وشعائره بكل الحرية الممكنة فى اطار الدولة العلمانية ، فلم يكن ابداً من ضرورات علمانية الدول القضاء على الدين او محاربته ، والاستقواء فى بعض الأحيان بنماذج مشوهه لممارسات من بعض الأنظمة القريبة فى بدايات أعادة تكوينها أمر لا يخل بمضمون ما نقول ، فلازالت تركيا وماليزيا وغيرها دولاً علمانية فى طور النهضة وان شابت ممارستها فى بعض الاوقات نوعاً من العنت ، المبرر وقتها .. والذى تخلت عنه بنضج واستقرار الانظمة.
المحور الثانى وهو الذى يختص بنص " الشريعة الأسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع " فيما يتعلق بالدولة وأطر التشريع المستمدة من الشريعة الاسلامية يمكن الحديث عن ثلاث نقاط - لا اظن ان هناك رابع لهم - هناك التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ( الزواج والطلاق والميراث ..الخ ) ، هناك تشريعات خاصة بالمعاملات المالية ( البنوك والربا ..الخ ) وهناك التشريعات الخاصة بعقوبات حالات محددة او ما يعرف بتشريعات الحدود فى الأسلام .
سأبداء من النقطة الثالثة وهى الخاصة بالحدود .. لا أعتقد ان هناك مصرى او كائن بشرى ، يستطيع ان يتقبل عقوبات مثل الجلد او الرجم او قطع اليد فى زمننا هذا ، والحديث عن كونها عقوبات ردع لا تنفيذ .. هو فى حدد ذاته اثبات لعدم واقعيتها فى الوقت الحالى.
النقطة الثانية .. والخاصة بالمعاملات المالية والربا .. من المؤكد أنه لم ولن توجد دولة فى العصر الحديث لا تعتمد على البنوك فى بناء اقتصادها وتحسين حياة افرادها فكلاً منا أفراداً ومؤسسات وشخصيات اعتبارية تتعامل مع البنوك ( دائناً ومديناً ) ، واثقال ضمائر الشعب بربوية تلك المعاملات امر يحتاج الى اعادة نظر .. وتخبط المؤسسات الدينية - التى يرجى فى الدولة العلمانية ان لا تتدخل فى مثل هذه الشئون - لهو دليل على استحالة اقامة نظام اقتصادى دون البنوك ومعاملاتها ، وما محاولات البعض لأسلمة تلك المعاملات الا نوع من التحايل الظاهر الذى لا يخفى على الفطن.
النقطة الأولى والأخيرة .. وهى الشق الخاص بمعاملات الأحوال الشخصية ، الزواج والطلاق و الميراث .. تلك القضايا الرئيسة الثلاث يمكن لقانون مدنى وضعى معالجتها بشكل متكامل يحفظ للأطراف المعنية حقوقها دون غبن او تهاون ، فلا يصح فى هذا العصر الحديث عن رجل يجمع اربع زوجات على ذمته لكونه قادر مادى او حتى غير قادر ففى هذا هدر لحقوق الزوجة التى غالباً ما تكون مرغمة على تقبل مثل هذا الوضع ، وكما ان الزواج عقد بين اثنين يتفقان فيه على بناء اسرة والمحافظة عليها فأن الحق فى الأنفصال - الذى تبيحه الشريعة الاسلامية وترفضه الكنيسة - أمر يجب ان يبقى بين طرفى هذا العقد فى مجال للرب ومن يتحدث بأسم الرب ان يكون طرفاً فيه ، كذلك الميراث الذى يمكن ايضاً الحديث عنه فى اطار قانون مدنى ينظم هذا الشأن .
الحديث عن علمانية الدولة ، هو المعيار الاول لتحقيق مواطنة حقيقية ، يتساوى فيها الأفراد - كل الأفراد - امام القانون فى الحقوق والمسئوليات .. بحيث يصبح القانون - ووحده القانون - هو الحاكم لتعاملات الانسان مع اخيه الأنسان ، وتصبح المؤسسة الدينية فى مكانها الصحيح والملزم كمؤسسة تدعو للبر ومحاسن الأخلاق ، ويبقى رجالاتها فقط رجال دين يشرحون للناس كيف تكون الدعوة للبر وكيف تكون الأخلاق ومحاسنها ، وتمارس الدولة ومؤسساتها ورجالات السياسة شئون ادارة الدولة .. تلك هى العلمانية التى أفهمها والتى أدعو لها.