2012-01-29

حديث مع صديقى .. المتدين.


بعد ان انتهى حوارنا الى – لا شئ – نظر الىَ وفى عينيه غير قليل من الأشمئزاز .. وبنبرة ضيق قال :
-          ألا تغار على دينك !
تحاشيت النظر اليه ، ولم أرد .. غمغم منصرفاً بعد ان تحولت جلستنا الأولى – وأظنها الأخيرة -  منذ ما يزيد عن خمسة عشر سنة لم نلتق خلالها بعد زمالة سنوات الدراسة الجامعية الأربع ، وبعد ان فرقتنا الأيام وجمعنا فيسبوك .. فالتقينا هذا اللقاء الذى بدأ بذكريات الزمالة وانتهى بمآل مصر فى السنوات القادمة .. لم نكن من المهتمين بالعمل السياسى فى الجامعة ، ربما كانت مصر كلها فى هذا التوقيت .. منتصف التسعينيات لم تكن مهتمة بالعمل السياسى ، لكننا ومع مرور الوقت اهتممنا ثم تشيعنا يمنة ويسرة .
سلك زميلى مسلك اليمين ، واطلق لحيته وعلت جبهته " زبيبة " تعلن فى صرامة ان سيماهم فى وجهوهم ، وان زميلى يمم وجه شطر اليمين ، وهذا اختياره .. اما انا فقد كنت ابداً اميل الى اوسط الأمور فلا احب التشدد فى شأن يمس حياتى ، ودائماً ما ادعى بأننى لا افعل الا ما يليه علىَ عقلى فلا أحيد عما يوجهنى اليه وان اختلف مع العديد من مسلمات الناس وعقائدها.
عدت الى سؤاله الغاضب : ألا تغار على دينك !
لم أشاء ان اجيب زميلى ، رفقاٌ به وابقاء على خيط من الماضى يصلنا الى الحاضر او المستقبل .. لكننى أجبت السؤال فى نفسى وبلا تردد أجبته وكأننى أحدثه : 
مذ متى كانت الأديان تحتاج الى غيرتنا او حمايتنا .. تداعت الى ذهنى أقصوصة لطالما حُكيت لنا صغاراٌ ، حين دعا ابرهة الحبشى كبير مكة وشريفها " عبدالمطلب بن هاشم " وهو على مشارفها ينوى هدم بيت الله فيها ، فمثل أمامه داعياً اياه ان يطلب ، فلم يطلب منه عبدالمطلب الأ ان يرد اليه ابله وبعيره .. واطلق مقولته الأشهر : أن للبيت رب يحميه .
نعم ان للبيت رب يحميه ، ولكل بيت رب يحميه .. ولكل ذكر انزل او اصعد له من اصحابه حافظون .
عدت بذاكرتى الى مناطق التباعد بينى وبين صديقى فى الحوار علنى اجد ما اضجره او اغضبه ، كل ما قلته كان بحق هو كل ما اعتقده ، هو اعتقاد رسخته تجارب ما بعد الجامعة وان قلت ، رسخته زيارة الى الخارج " خارج الصندوق " وخارج مصر وان كانت زيارة واحدة ، رسخته قراءة نهمه للتاريخ قديمه ومعاصره وحديثه وان كان بلا قصد .
كل ما قلته لصديقى كان حلماً احلم ان تكونه مصر ..
مصر التى يعلو فيها صوت القانون فوق كل صوت ، قانون نضعه نحن ، نكتبه ونصلحه ونحذف منه حين يحتاج الأمر الى اعادة كتابه او اصلاح او حذف .
قانون يغطى كل جوانب الحياة بتفاصيلها – كما فى كل الدنيا – فيصبح القانون ملزماً لكل من ارتضى ان يحمل هوية وطنى وجنسيتها ، قانون الأصل فيه صالح المواطن ، يكفل له حقوق انتجتها البشرية خلال آلاف السنين ، حقوق صاغتها وراعتها لم تفرق فيها بين دين ودين ولون ولون وعرق وعرق ولغة ولغة ، حقوق لا يختلف عليها انسان فصارت بحق .. حقوق للأنسان.
تلك هى مرجعية القانون الأولى والأخيرة .. حقوق الأنسان ، ويصبح كل تشريع لا يراعى حقوق للأنسان هو تشريع لا ينبغى تطبيقه ايا كان مصدره .
 فتصير القاعدة ألاولى : كل حق ترتضيه جماعة من البشر ولا ينافى الفطرة الأنسانية هو حق من حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثانية : كل أمر يزرع الفرقة بين جماعات البشر ويميز بينها على اى اساس كان هو امر ينافى حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثالثة : كل جماعة من البشر تسكن ارضاً هم مواطنون على هذه الأرض عليهم واجبات متساوية ولديهم حقوق واحدة.
وتصير القاعدة الرابعة : كل تشريع لا يساوى بين هؤلاء المواطنون هو تشريع ضد حقوق الأنسان.
وتصير القاعدة الخامسة والأخيرة : ان ثقافتنا – والدين جزء منها – هى امر واجب المراعاة ، يؤخذ منها ويطبق ما يراعى الأنسان وحقوقه ويستبعد منها ما لا يراعى هذا الأنسان وحقوقه.
جُل بنظرك فى الجغرافيا حولنا ، ودُر بعقلك على التاريخ وأزمانه .. سوف تكتشف ان القانون وحده وسيادته – ومرجعيته الأنسان وحقوقه – هو من رفع أمم كانت بلا اعمدة ، وان ما دونها هو من شتت وفرق واسال بحور الدماء .
اسرائيل وتعنتها .. الهند وباكستان وكشمير وبنجلاديش وتفرقها.. لبنان وحربها الاهلية  .. العراق وتشرزمه .. البلقان وبراميل باروده .. افريقيا وتناحرها ... الخ ، هى امثلة لأمم وقارات تعلو فيها اصوات اخرى غير صوت القانون ويحتكم فيها الى شرائع تميز بين الأنسان والأنسان .. ولا تراعى له حقوقاً.
ان الدين والمذهب والعرق واللون واللغة هى جزء من ثقافة اى أمة قد تكون ألغام – حتماً سوف تنفجر – اذا ما لم تُحيد جميعها ، واذا ما لم يتم صهرها فى بوتقة واحدة ينتج منها سبيكة قيم واخلاق تحافظ على ما هو مضئ من تلك الثقافة ، يكسوها قانون انسانى يلتزم به الجميع ويكون ملاذاً عند الغبن او انتهاك حق انسان.
كان ابرز ما لا حظته  لدى صديقى المتدين ، هو ذلك اليقين المطلق والمعروف فى ادبيات النخبة باسم – الدوجما – بأن ما يفهمه وما يعتنقه من أفكار معدة ومقولبة " سلفاً " هى الحقيقة المطلقة ولا حقيقة غيرها ، وأنها الطريق الوحيد الى النجاة فى الدنيا والآخرة .
وكان أبرز ما لم يفهمه صديقى مما أقول ، أن الشعوب والحضارات فى الماضى والحاضر هى حصيلة تجارب انسانية شديدة الثراء لا ينبغى ان تختزل فى مطلق هنا او هناك او ان اجمل ما فى الأنسان رغبته الصادقة فى البناء على تجاربه حتى تستقيم الحياة ، وان قدراً من الأنفتاح واتساع الأفق كفيل بحل مشاكلنا وان كثرت ، وان تسامحاً صادقاً مع الآخر " ديناً او مذهباً او عرقاً او لوناً او لغة " يقوم على اساس المساواة التامة فى الألتزام بقانون نضعه جميعاً مصدره الأول والأخير .. الأنسان وحقوقه ، هو الطريق الى الجنة .. على الأرض وفى السماء.
ما لم يفهمه صديقى المتدين أننى بدعوتى تلك لا أدعو الى انحلال اخلاقى - كما يزعم – ولا تنحية لدين – كما يرى – لكننى احلم بوطن – ولن امل من تكرارها – يسود فيه قانون مبنى على الأنسان وحقوقه ، تعم ارجائه اخلاق منبعها ثقافته المستمدة من الدين .. كل الدين.

الى صديقى المتدين ، اجابة على سؤالك الأستنكارى : ألا تغار على دينك ! 

أقول لك ما قاله عبدالمطلب بن هاشم منذ مئات السنين  :


 أن لى وطناً أخاف عليه وأغار عليه .. أما البيت فله رب يحميه .

2011-05-29

التاريخ يعيد نفسه .. هذا أمر مؤكد!



من قال ان التاريخ لا يعيد نفسه .. ان التاريخ يعيد نفسه ، مرة ومرات .. وفى الكثير من الأحيان بتفاصيل قد تكاد تكون متطابقة ، وأسوق إليك نموذجاً لهذا التكرار الذى يكاد يكون متطابقاً .


هناك تساؤلات تبدو بسيطة فى ظاهرها ، مركبة فى مضمونها .. تدور فى نفوس المصريين الآن ، تشى بها الأعين وتدور حولها النقاشات والحوارات فى اى لقاء يجمع اثنين من المصريين فأكثر ، التساؤلات فى ايجاز .. 


لماذا كثرت المشاكل ، وزادت الفوضى ، والتهب الصراع بين المصريين فى الأشهر القليلة التالية لأهم واعظم ثمانية عشر يوم فى تاريخ المصريين الحديث ، لماذا كانت مصر كلها جسداً واحداً يراقب العالم قلبه وهو ينبض فى ميدان التحرير .. بأنبهار وأعجاب ، ولماذا تبعثر هذا التوحد وتشرذمت الآراء بعد انقضاء تلك الأيام المجيدة .. هذا فيما يخص المصريين فى سلوكهم كأفراد وجماعات.


التساؤل الثانى غالباً ما يدور حول من بيده صنع القرار فى مصر الآن وأقصد به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، والذى كانت " جمعة الغضب الثانية " 27 مايو 2011 موجهة بالدرجة الأولى الى لفت أنظاره بأن هناك شيئ ما يقلق المصريين على ثورتهم ، مجمل هذه التساؤلات ، لماذا يبدو المجلس العسكرى مرتبكاً فى بعض الأحيان فى اتخاذ القرارات ، لماذا يتصرف على نحو غير مفهوم فى الكثير من الأوقات ، لماذا تبدو المسافات تزداد اتساعاً ما بينه وبين الشارع المصرى .. 


ولأن مثل تلك التساؤلات سمعتها عشرات المرات من عشرات الأشخاص ، كانت مفاجأة حقيقة بالنسبة لى ان أجد بعض الأجابات فى صفحات التاريخ ، والتاريخ المصرى على وجه الخصوص ، والأكثر جاذبية .. ان الأجابة كانت فى سياق الحديث عن ثورة المصريين السابقة التى قادها نخبة من شباب الجيش المصرى .. واقصد ثورة يوليو 1952 .


العبارات التالية مأخوذة بنصها من كتاب " فلسفة الثورة " لجمال عبدالناصر ووجدت فيها وفى العديد من صفحات الكتاب الكثير من الأجابات لأسئلة يفرضها الأمر الواقع الآن :


" لكل شعب من شعوب الأرض ثورتان  :
ثورة سياسية ، يسترد بها حقه فى حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه ، او من جيش معتد أقام فى أرضه دون رضاه.

وثورة اجتماعية ، تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد.

نحن الآن أمام تجربة هائلة أمتحن بها شعبنا وهى ان نعيش الثورتان معاً فى وقت واحد ، مبعث هول التجربة أن لكل من الثورتين ظروفاً مختلفة تتنافر تنافراً عجيباً وتتصادم تصادماً مروعاً ..
أن الثورة السياسية ، تتطلب لنجاحها وحدة جميع عناصر الأمة وترابطها وتساندها ونكرانها لذاتها فى سبيل الوطن كله.
والثورة الاجتماعية ، من أول مظاهرها تزلزل القيم وتخلخل العقائد ، وتصارع المواطنين مع أنفسهم أفراداً وطبقات ، وتحكم الشك والكراهية والأنانية

وبين شقى الرحى هذين .. قدر لنا أن نعيش اليوم فى ثورتين : ثورة تحتم علينا ان نتحد ، ونتحاب ، ونتفانى فى الهدف .. وثورة تفرض علينا – برغم ارادتنا ، ان نفترق وتسودنا البغضاء ، ولا يفكر كل منا الا فى نفسه. "

وإليك تلك العبارات الهامة التى وصف بها جمال عبد الناصر حيرة مجلس قيادة الثورة فيما بعد ثورة يوليو 1952 :

" ذهبنا نلتمس الرأى من ذوى الرأى ، والخبرة من أصحابها ومن سؤ حظنا لم نعثر على شئ كثير ..كل رجل قابلناه لم يكن يهدف الا الى قتل رجل آخر ، وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف إلا الى هدم فكرة أخرى ، ولو أننا اطعنا كل ما سمعناه ، لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار ، ولما كان لنا بعدها ما نعمله .. 
ولو أن أحداً سألنى فى تلك الأيام : ما أعز أمانيك ؟ لقلت له على الفور ، ان اسمع مصرياً يقول كلمه انصاف فى حق مصرى آخر. 
وأن احس ان مصرياً قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لأخوانه المصريين .
وأن أرى مصرياً لا يكرس وقته ، لتسفيه آراء مصرى آخر . "

ألست معى بأن التاريخ يعيد نفسه .

2011-05-25

عن الحمير .. وأشياء اخرى.

هل من الممكن ان يحسد  " بنى آدم "  الحيوانات على معيشتها ، سيندفع فوراً من يملأ وجهك برزاز ريقه اذا ما طرحت هذا السؤال فى وجهه غاضباً ، مغضباً ، غضوباً .. صارخاً بأن الله كرم " بنى آدم " على كل خلق الله ، خلقه فى أحسن تقويم وكرمه بالعقل .
صحيح .. لكن تأمل معى الأبيات التالية - وهى التى دعتنى فى الأصل كى اسأل هذا السؤال - الأبيات للشاعر الأمريكى والت ويتمان والتى يفتتح بها الفيلسوف الأنجليزى برتراند راسل كتابه البسيط والممتع - والذى كثيراً ما أعود اليه - " البحث عن السعادة " .

أتمنى لو أنى استطيع ان اعيش مع الحيوانات ، فهى رابط الجأش وقانعة بذاتها
اقف واتأمل فيه ملياً
فلا أراها تعبر عن حالها بالعواء المستمر
ولا تستيقظ فى الظلام ، تبكى خطاياها
ولا تمرضنى بمناقشة واجبها تجاه الله
وليس بينها ناقم ولا من ابتلى بالهوس فى اقتناء الأشياء
ولا بينها من ينحنى للآخر ولا لجنسه الذى عاش قبل الآف السنين
ولا بينها محترم ولا بائس على سطح الأرض

الا يبدو الشاعر محقاً بعض الشئ فى رغبته ، قارن بين ما يفعله " بنى آدم " بنفسه وببنى جلدته .. وما يفعله اى كائن آخر ببنى جنسه .. هل رأيت يوماً فى حياتك حمار يكره جاره لأنه مختلف عنه فى اللون او الشكل او صوت النهيق أو .. الخ ، هل رأيت يوماً حمار يقتل حماراً آخر لأن حمارة من أقاربه تزوجت حمار من خارج القبيلة ، هل رأيت يوماً حمار ينهق معتصماً طالباً بتخليص اخت له فى الحمورية تم احتجازها من قبل مجموعة حمير أخرى لكونها اعتنقت فكرة او عقيدة أو .. الخ مخالفة او مطابقة لمجموعته الحميرية .
كلاً .. لا تعرف الحمير ولا سائر مخلوقات الله الأخرى مثل تلك النزعات والنزاعات البشرية ، آدمية الطابع والتى يتباهى بها " بنى آدم " على غيره من الكائنات ، أعرف أنك ستعود مرة أخرى الى تنبيهى بأن " بنى آدم " مكرم بعقله وتمييزه فى شتى تصرفاته ، فأن كان هذا رأيك فدعنى أقولها صراحة .. الا ساء العقل وحامله ، وبئس التمييز هذا الذى يفعله .. إن كان يحملنى على ان أكره او انبذ اواقصى اوابعد وربما حتى اقتل .." آخر " من بنى جنسى فقط لأنه مختلف عنى لسبب او لآخر ، علا شأن هذا السبب او صغر .
قبل ان تبدأ فى صب اللعنات اذكرك واذكر نفسى بأنه ما من كائن على وجه الأرض الا ويحمل قدراً من التمييز ، وتأمل معى تلك الآية القرآنية .. " وأن من شئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم " .. أليست الحمير وكل الكائنات غير البشرية - طبقاً للآية الكريمة - تفهم من الدين ومن فلسفة الدين .. أفضل من " بنى آدم " وعقله وتمييزه ، أليس الشاعر محقاً حين عبر عن رغبته فى الأبيات السابقة .. لا ابحث عن اجابة ، فالأجابة عندى محسومة.

2011-02-20

نحو قراءة ليست جديدة .. للعلمانية

أعرف تماماً أنه ليس وقته الآن ، وأدرك تماماً ان مصر والمصريون الآن فى حاجة للألتقاء حول أرضية مشتركة يمكن الوقوف عليها لاعادة بناء مصر الحديثة التى نتمناها جميعا .. واتفهم النوايا الصادقة التى تدعو الى البحث عن نقاط الاتفاق والاختلاف فى مثل هذا الوقت العصيب .. ولكن.
يمكن وصف ما يحدث فى مصر الآن ، عقب تداعيات ما بعد 25 يناير ، ولن اضع مسمى لهذا الذى يحدث .. فإلى ان يلتقط التاريخ انفاسه ويعيد ترتيب أفكاره وصياغة تسميات ما حدث سأكتفى بقولة  " تداعيات ما بعد 25 يناير " ، يمكن وصف ذلك بأعادة احياء التفاعل السياسى المصرى ، فمن المعلوم أن معادلة كيمياء السياسة المصرية قد توقفت منذ زمن .. حيث تاهت المدخلات وخبت - ولا اقول توقفت - بفعل عوامل لا مجال لذكرها الآن ، ثم انعدمت الى حد كبير عناصر الحفز فى هذه المعادلة فكان من الطبيعى ان لا تتكون مخرجات ولا تظهر نتائج لذلك التفاعل السياسى البارد ، الى ان حدث ما حدث وكانت 25 يناير هى العامل المحفز الفيصل فى اعادة التفاعل واحيائه مرة اخرى.
فى اطار هذا التفاعل الصحى والأيجابى الذى بدء والذى من المتوقع ان يستمر الى فترة ليست قصيرة تتجاذب فيها عناصر وتتنافر أخرى ، يسخن التفاعل الى درجات تحتاج معها الى الحذر وتتفاعل اخرى بشكل غير متوقع ، لكنها تبقى على ايه حال .. افضل بكثير من حالة الجمود التى عاشتها مصر طوال العقود السابقة .
اقول فى اطار هذا التفاعل .. يمكن بهدوء التعامل مع بعض القضايا التى تبدو حساسة فى مثل هذه المرحلة ، والتى منها على سبيل المثال الجدل الدائر الآن حول هوية مصر فى المرحلة القادمة ومنبع هذا الجدل هو المادة رقم 2 من الدستور المصرى الحالى التى تجعل من " دين الدولة الأسلام ، والمصدر الرئيسى للتشريع هو الشريعة الأسلامية ".
يمكن الحديث حول هذه النقطة فى محورين أساسين لا ثالث لهما .. أولهما هوية الدولة المصرية ، فقد اتفق - فيما يشبه الاجماع - اننا بحاجة الى دولة ديموقراطية مدنية وهو أمر هام ، لكننا - وهنا نقطة الخلاف الأصيلة - وهو الأهم بحاجة الى دولة .. علمانية.
يقول المفكر المصرى زكى نجيب محمود فى مقال له حول العلمانية " أنا لا اخشى الكلمات ، فما هى الا وعاء أو اطار يحوى مضموناً نستطيع ان نقيم المضمون او المحتوى دون الأحساس بالفزع من هذا الأطار " ، وعلى ذلك فيمكن الحديث عن العلمانية فى ضوء مفهوم مختلف عما يرسخ فى وجدان العامة وبعض الخاصة من كونها بشئ من التبسيط هى فصل الدين عن الدولة بمعنى آخر ان يبقى الدين يعتنقه الأفراد ويمارسون شعائره بكل حرية ممكنة وأن لا تجد المؤسسة الدينية عقبات من اى نوع فى رعاية ابنائها ولا ممارسة دورها الاجتماعى والتوعوى . فى المقابل تلتزم تلك المؤسسة الدينية بعدم الخوض - اطلاقاً - فى اى شأن من شئون الممارسة السياسية وأن لا تمارس نوعا من التوجيه لأفرادها يخالف الدستور والقانون المدنى المتفق عليه من قبل الشعب. يحفظ هذا لكلاً من الطرفين حدوده ومسئولياته .. فيبقى الدين وكتبه المقدسة بعيداً عن ترهات السياسة وألاعيبها ، وتبقى السياسة بعيدة عن تدخلات الرب ومن يتحدثون باسم الرب.
فيما يختص بالاغلبية فى مصر - واعنى المصريون المسلمون وانا منهم - يثير مثل هذا الحديث حنقهم ، ويعدونه نوعاً من هدم الدين المتعمد وأن من يدعون لذلك أما اصحاب اجندات هدامة ، او انهم مغسولوا الأدمغة او فى اضعف الأيمان مهتزوا العقيدة .. ضلوا الطريق الى الصواب.
وبقليل من التريث يمكن طرح القضية على طاولة التشريح وإعمال العقل فى محاولة الخروج من دوائر التابوهات المحرمة والخطوط الحمراء .. الخ . حيث يمكن العودة الى نص المادة مثار الجدل وتقسيم العبارة الى شقين " دين الدولة الأسلام " وفى هذا يمكن الرد ببساطة بأنه من المستغرب بل ومن العجيب أن تمنح شخصية اعتبارية مثل الدولة هذه الصفة .. فلا أهم كيف تكون دولة ما مسلمة او غير مسلمة .. اتمارس اركان الأسلام الخمس ( من الشهادة بالوحدانية وانتهاء بحج البيت ) أم انها تسبح الأ الليل واطراف النهار .. ليس تسطيحاً للأمور لكنه أمر يحتاج الى قليل من التأمل .. أفهم ان الفرد ينتمى الى دين .. وأن المسلم يعتقد فى أركان الأسلام الخمس ويمارسها كاملة ان كان ملتزماً ، أم ان تطلق تلك الصفة على الدولة ككل فهو لعب بالمشاعر ودغدغة لعواطف البسطاء .
للفرد مطلق الحرية فى ان يعتقد فى الدين الذى يشاء وان يمارس طقوسه وشعائره بكل الحرية الممكنة فى اطار الدولة العلمانية ، فلم يكن ابداً من ضرورات علمانية الدول القضاء على الدين او محاربته ، والاستقواء فى بعض الأحيان بنماذج مشوهه لممارسات من بعض الأنظمة القريبة فى بدايات أعادة تكوينها أمر لا يخل بمضمون ما نقول ، فلازالت تركيا وماليزيا وغيرها دولاً علمانية فى طور النهضة وان شابت ممارستها فى بعض الاوقات نوعاً من العنت ، المبرر وقتها .. والذى تخلت عنه بنضج واستقرار الانظمة.
المحور الثانى وهو الذى يختص بنص " الشريعة الأسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع " فيما يتعلق بالدولة وأطر التشريع المستمدة من الشريعة الاسلامية يمكن الحديث عن ثلاث نقاط - لا اظن ان هناك رابع لهم - هناك التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ( الزواج والطلاق والميراث ..الخ ) ، هناك تشريعات خاصة بالمعاملات المالية ( البنوك والربا ..الخ ) وهناك التشريعات الخاصة بعقوبات حالات محددة او ما يعرف بتشريعات الحدود فى الأسلام .
سأبداء من النقطة الثالثة وهى الخاصة بالحدود .. لا أعتقد ان هناك مصرى او كائن بشرى ، يستطيع ان يتقبل عقوبات مثل الجلد او الرجم او قطع اليد فى زمننا هذا ، والحديث عن كونها عقوبات ردع لا تنفيذ .. هو فى حدد ذاته اثبات لعدم واقعيتها فى الوقت الحالى.
النقطة الثانية .. والخاصة بالمعاملات المالية والربا .. من المؤكد أنه لم ولن توجد دولة فى العصر الحديث لا تعتمد على البنوك فى بناء اقتصادها وتحسين حياة افرادها فكلاً منا أفراداً ومؤسسات وشخصيات اعتبارية تتعامل مع البنوك ( دائناً ومديناً ) ، واثقال ضمائر الشعب بربوية تلك المعاملات امر يحتاج الى اعادة نظر .. وتخبط المؤسسات الدينية - التى يرجى فى الدولة العلمانية ان لا تتدخل فى مثل هذه الشئون - لهو دليل على استحالة اقامة نظام اقتصادى دون البنوك ومعاملاتها ، وما محاولات البعض لأسلمة تلك المعاملات الا نوع من التحايل الظاهر الذى لا يخفى على الفطن.
النقطة الأولى والأخيرة .. وهى الشق الخاص بمعاملات الأحوال الشخصية ، الزواج والطلاق و الميراث .. تلك القضايا الرئيسة الثلاث يمكن لقانون مدنى وضعى معالجتها بشكل متكامل يحفظ للأطراف المعنية حقوقها دون غبن او تهاون ، فلا يصح فى هذا العصر الحديث عن رجل يجمع اربع زوجات على ذمته لكونه قادر مادى او حتى غير قادر ففى هذا هدر لحقوق الزوجة التى غالباً ما تكون مرغمة على تقبل مثل هذا الوضع ، وكما ان الزواج عقد بين اثنين يتفقان فيه على بناء اسرة والمحافظة عليها فأن الحق فى الأنفصال - الذى تبيحه الشريعة الاسلامية وترفضه الكنيسة - أمر يجب ان يبقى بين طرفى هذا العقد فى مجال للرب ومن يتحدث بأسم الرب ان يكون طرفاً فيه ، كذلك الميراث الذى يمكن ايضاً الحديث عنه فى اطار قانون مدنى ينظم هذا الشأن .
الحديث عن علمانية الدولة ، هو المعيار الاول لتحقيق مواطنة حقيقية ، يتساوى فيها الأفراد - كل الأفراد - امام القانون فى الحقوق والمسئوليات .. بحيث يصبح القانون - ووحده القانون - هو الحاكم لتعاملات الانسان مع اخيه الأنسان ، وتصبح المؤسسة الدينية فى مكانها الصحيح والملزم كمؤسسة تدعو للبر ومحاسن الأخلاق ، ويبقى رجالاتها فقط رجال دين يشرحون للناس كيف تكون الدعوة للبر وكيف تكون الأخلاق ومحاسنها ، وتمارس الدولة ومؤسساتها ورجالات السياسة شئون ادارة الدولة .. تلك هى العلمانية التى أفهمها والتى أدعو لها.


2011-02-17

رسالة الى ابنتى .. كنت فى ميدان التحرير


أبنتى الغالية .. أكتب اليك اليوم رسالة أعرف انك لن تستطيعىن قرائتها اواستيعابها قبل أعوام من هذا اليوم .. أكتب اليك كى أتذكر واذكر نفسى دوماً بما حدث فى الأيام القليلة الماضية وتحديداً فى ثمانية عشر يوم غيرت تاريخ مصر ، وصنعت مستقبلاً أوقن تماماً أنه سيكون افضل.
اكتب اليك وانا اشعر بقليل من الحرج ، فلم أكن من صناع ما حدث فى هذه الأيام ولم أدفع ثمناً باهظاً مثل الذى دفعه أولئك الشبان الذين رأيتهم فى ميدان التحرير - كما سأحكى لك - من دمائهم وارواحهم ، كنت فقط واحداً من ضمن ملايين شاركوا فى هذا الحدث منذ اللحظة الأولى وربما من قبلها حين كنت مؤمناً بأن ما حدث ، آت لا ريب .. وأنه السبيل الوحيد الى مستقبل أفضل لك ولبلادى.
دعينى استرجع لك بعض تفاصيل الأحداث ، قبل ان تغيبها الأيام وتتداعى على الذاكرة من أرهاق السنين ما يجعلها ويجعل ما حدث مجرد ذكرى وخطوط عريضة دون تفاصيل ، دعينى استرجع تلك الأيام القلائل قبل يوم العاصفة 25 يناير2011 .
 كنت - وزملائى - نتحدث عن مجموعات من الشباب النشط - ميدانياً ، وافتراضياً ( عبر وسائل الأعلام الحديث ) كالفيسبوك والمدونات والذى اعلم انه فى الوقت الذى سوف تقرأين فيه تلك الرسالة لن يكون حديثاً بالنسبة لك ، بل لعله سيكون تراثاً تضحكين من سذاجته وسذاجة الأعتماد عليه ، لكنه على أيه حال عزيزتى كان هو مفتاح السر فى كل ما تلى ذلك .
اقول لك أننا تناقشنا حول ما تدعو له تلك المجموعات من الشباب عبر شبكات التواصل الأجتماعى من الدعوة الى الخروج السلمى الى الشارع فى كل محافظات مصر لا لشئ الا لتردد شعار واحد متفق عليه ، ربما كان وقتها هو كل ما كان يسعى الشباب الى ايصاله الى من بيده القرار كان الشعار الذى دعا اليه الشباب هو ببساطة حلم كل مصرى يعيش على أرض مصر " عيش ، حرية ، كرامة انسانية " ، ولعلك ستندهشين من بساطة تلك المطالب وعمقها فى آن .. فقد كان العيش عزيزاً ، والحرية أعز، والكرامة الأنسانية للمواطن المصرى حلماً بدا وقتها انه بعيد المنال.
كان الملفت فى هذه الدعوة أنها اختارت يوم 25 يناير- والذى تقرر للمرة الأولى وقتها أن يكون اجازة رسمية  - وهو اليوم الذى تحتفل فيه الدولة بما كان يعرف " بعيد الشرطة " ، اختار الشباب هذا اليوم - كما فهمت يومها من متابعتى المحمومة لكل ترتيبات هذا اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعى وغيرها - كى يكون رمزاً ومعنى لا يستعصى على فهم أولوا الألباب ، فقد كان من أهم اسباب الدعوة الى النزول الى الشارع - ضمن جملة من الأسباب التى لا مكان لذكرها هنا - ومن أهم الداعين لذلك هو تلك المجموعة الأجتماعية الأفتراضية على شبكة المعلومات المسماة " كلنا خالد سعيد " وهى - ان كنت لا تعرفين - المجموعة التى أسسها احد هؤلاء الشباب الناشطين تضامناً مع ذلك الشاب السكندرى " خالد سعيد " والذى قتل بوحشية على أيدى بعض أفراد الشرطة فى مدينة الأسكندرية لا لذنب او جريرة على الأطلاق اللهم الا فضحه بعض ممارسات جهاز الشرطة غير المسئولة ، وهو امر عزيزتى - كان وقتها شائعاً - وكانت الدولة وسلطتها فى واد وكل المصريين فى واد آخر ، وهو ما دفع ذلك الشاب ثمناً له .. حياته.
عرفت قبل يوم من بداية الأحداث أن الترتيب ان تخرج مجموعات احتجاجية من الشباب فى الميادين العامة فى كل محافظات مصر بالتزامن وفى وقت واحد تردد نفس الشعار " عيش ، حرية ، كرامة أنسانية ". تهيأت لذلك تماماً - واتذكر اننى كتبت على مدونتى فى ذلك الوقت تدوينة قصيرة أهدئ قليلاً من قلقى من غد هذا اليوم ، وأتمنى أن تكون الشرطة فى عيدها أكثر رحمة مما تكون فى مثل تلك الأحداث . وجاء اليوم الموعود ، خرجت الى حيث مكان اللقاء وفى التوقيت المحدد الساعة الثانية عشر ظهراً فى ميدان الساعة يوم 25 يناير 2011 أحمل معى سلاحى الأهم فى مثل تلك الأحداث وهو كاميرا الفيديو حيث يمكن اعادة الزمن عشرات المرات واستعادة تفاصيله  كاملة على اسطوانة فيديو ، انتظرت فى الميدان نصف ساعة ثم ساعة ثم ساعتين ، لا يبدو أن هناك اى شئ غير طبيعى فى مدينتى اللهم الا عربات الأمن المركزى الأربع التى تواجدت وبعض مجموعات الضباط من الرتب المختلفة تحلقوا حول مائدة فى احد اركان الميدان يشربون الشاى ويبلغون رؤسائهم فى غرف العمليات ان فى صعيد مصر .. لم يحدث شئ .
عْدت الى البيت - بالعديد من الأسئلة والقليل من الأحباط - اقلب فى قنوات التليفزيون المتعددة ، أتحقق هل كانت كل ميادين مصر ترفع نفس الشعار الذى قفز الى ذهنى وقتها والذى رفعته محافظتى وميادينها  " لم يحدث شئ " . كنت كل ما أخشاه ان يمر اليوم مثل سائر الأيام السابقة ، بضع مئات من مجموعات النشطين من الشباب وغيرهم فى قلب القاهرة وحدهم يهتفون ، محاطون بجحافل الأمن المركزى الى ان يتعبوا ثم يعودوا الى بيوتهم - مثلى - يتذكرون كلمات الراحل العظيم جمال حمدان .. المصريون لا يثورون .. الأ، ولكم تمنيت أن تأتى تلك ال " الأ " علها تغير ما نحن فيه.
فوجئت - صغيرتى - بأن الأمر هذه المرة جد مختلف ، وشعرت وأنا أتابع القنوات الفضائية المختلفة بأن شئ هام قد بات يحدث فى مصر وأن رياحاً تحمل فى طياتها نسائم التغيير قد أوشكت أن تضرب بلادى ، فلأول مرة فى حياتى التى انتصف العقد الثالث منها  أشهد الاف من المصريين من الشباب فتياناً وفتيات يتحركون فى كتلة واحدة متماسكة متحدين عربات وجنود وضباط الأمن المركزى يحملون فى أيديهم الورود ويهتفون فى روعة قلما تتكرر مشاهدها على صفحات التاريخ " عيش ، حرية ، كرامة انسانية " .. سلمية ، سلمية ، عرفت كذلك ان بعض المحافظات شهدت تحركات مماثلة اتحدت كلها فى نفس الشعار ونفس الهدف مؤكدة طوال الوقت انها كانت وستبقى سلمية ، تابعت بنهم شديد تفاصيل ما يحدث ، وفوجئت كما فوجئ غيرى من المصريين أن قلب القاهرة - ميدان التحرير - قد بدء ينبض مرة أخرى بأنفاس ألوف العشرات من المحتجين الذين جاؤوا من كل فج عميق يعيدون نبض الحياة الى قلب الوطن. 
لكن هيهات بنيتى أن يسمح الرأس - الذى شاخ واستبد وفسد وأفسد - للقلب الشاب ان يعود نبضه وان تتدفق الدماء فى شرايينه ، ففى هذا خطر عليه وعلى كل ذلك الجسد الذى اصابته الغرغرينا من قلب شاب تمرد على حالة الموات وعاد من جديد للنبض بعد طول غياب وغيبوبة فرضت عليه فرضاً ، قسراً لا طوعاً ، وكان أن رأيت والملايين معى كم كان الحل الأمنى الغشيم قاسياً احمقاً مشبعاً بغباء سياسى لا يمكن وصفه ، ورأيت استبسال هؤلاء الشباب فى الحفاظ على موقعهم فى قلب القاهرة يوم ويوم آخر ، داعين فى نفس الوقت - رداً على تلك القسوة المفرطة فى التعامل معهم - الى يوم جمعة غضب يسمعون فيها الوطن ومن خارجه كيف ان كلمات مثل سلمية سلمية تقابل بمضادات أمنية تؤكد أنها .. وحشية ، وحشية.
لن أذكر - بنيتى - تفاصيل ما حدث فى جمعة الغضب فى كل انحاء مصر ، فقد اتاح لنا عصرنا ان نسجل وقائعها لحظة بلحظة ، ولن أوجع قلبك بكيف تعرض هذا القلب النابض الى محاولات اعادة الغيبوبة له ، حتى مدينتى الصغيرة الهادئة التى رفعت يوم 25 يناير شعاراً صامتاً فحواه ان فى صعيد مصر " لم يحدث شئ " ، كانت فى أشد الغضب يوم جمعة الغضب ، سجلت لك وقائع ما حدث وما شاركت فيه ويكفينى أن اقول لك أنها المرة الأولى فى حياتى التى أهتف فيها من كل أعماقى .. لا. لا لهذا الواقع الجاسم ككابوس فوق أنفاس الوطن ، ونعم لغد أفضل ، احتفظت لك من كل هذا الغضب والصخب ، ليس بشريط الزمن فقط تعيديه مرة ومرات ، لكننى التقطت من بقايا المعركة - خرطوشة قنبلة غاز - اطلقت علينا ، باعتبارنا من عناصر الشغب من قبل قوات مكافحة الشغب ، علها تبقى ذكرى لعهد كان فيه الوطن اسير الفساد والأستبداد. توالت الأحداث صغيرتى بعد ذلك تباعاً وبسرعة متلاحقة وقدم شباب مصر فى كل انحائها أرواحهم فى هذا اليوم والأيام التالية له بكل نبل ممكن وبكل شجاعة كنت اظنها غاضت مع السنين. 
لم أكن قادراً بعدها على البقاء متفرجاً عبر الأثير على ما يحدث - هناك - فى قلب الوطن ، فى قلب القاهرة ، ميدان التحرير الذى صار حقاً قبلة المحتجين من كل مكان فى مصر ، وكان أن ذهبت ملبياً تلك الدعوة التى جاءت من القلب منادية جسد الوطن .. هيا ، هلموا ، فى يوم شهده العالم أجمع " يوم مليونى " امتلئ فيه القلب بدماء دافقة غذتها اوردة وشرايين كان يظن أنها ذبلت او جفت.
كنت فى ميدان التحرير - عشرون ساعة صغيرتى لا اكثر - هى كل ما استطعت ان اشارك به ملايين الورود التى تفتحت فى هذا اليوم من شباب الوطن ورجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله ، عشرون ساعة نشق فيها السماء ونهدر فى صوت مليونى .. ان يسقط الرأس الذى فسد وكاد ان يفسد معه كل الجسد " إلا " قليلاً .. تذكرت وقتها قولة العظيم جمال حمدان .. " إلا ".
كنت فى ميدان التحرير .. ورأيت للمرة الأولى نوعاً مختلفاً من المصريين ، كنت أراه فى كتب التاريخ .. وأسمع عنه فى حكايات جدى عن فجر ثورة يوليو وما بعدها ، رأيت مصريين يولدون من جديد وتولد معهم روحاً وقيماً وأخلاقاً أبت خلايا أجسادهم ان تفرز هرموناتها فى زمن الردة الذى قارب الثلاثون عاماً ، وقد تدفقت فى هذا اليوم والأيام التالية فى حرارة أعادت الحياة والسخونة لجسد كان قاب قوسين أو ادنى من الموت . رأيت فى هذا اليوم أمة تنهض من القاع وتبدأ أولى خطواتها نحو القمة واستحضرت مقولة ابن خلدون الشهيرة .. ان حياة الأمم قمم وقيعان تتوالى ، وكنت سعيداً اننى اعيش هذا اليوم قريباً من القلب - من قلب مصر - ميدان التحرير ، حيث بدأ الصعود الى القمة.
عدت - حبيبتى - اليك ، وأنا احمل علم بلادى الذى - وعن صدق - لم احمله يوماً ، ولم اشعر به من قبل .. عدت إليك ورأيتك ترددين بكل براءة  وعيناك تلمعان .. وقد انهيت فى هذا اليوم عامك الثالث .. أمام شاشة التلفزيون مع من يرددون " الشعب يريد اسقاط النظام " ، تتقافزين تارة وتمسكين العلم تارة أخرى .. أوقفت الزمن فى هذه اللحظة على شريط فيديو كى تريها اليوم وكى تدركى أنك بهتافك الرقيق وقتها قد شاركت ملايين المصريين بذل منهم 365 مصرياً أروحهم وقرابة الخمسة الآف مصاب وجريح ، فى أسقاط النظام .. وأنك - ايضاً - شاركتِ معهم فى ميلاد وطن جديد .. أفخر اليوم - وأظنك كذلك - تفخرين أننا نعيش فيه.
لكى منى كل الحب والسلام.

2011-02-14

الشعب يريد اسقاط النظام


لم أكن أتخيل فى أقصى أحلامى تفاؤلاً أن يحدث ذلك بتلك السرعة ، كنت قد كتبت قبل عشر أيام من أندلاع ثورة مصر فى 25 يناير 2011 وتحديداً فى 15 يناير - متأثراً بثورة الياسمين فى تونس - تلك التدوينة " ديكتاتور " ، أتمنى فيها قبل أن أتوقع أن تمتد شرارات الغضب الى مصر بعد تونس ، وقد حدث .. فيما يشبه المعجزة وأثبت الشعب المصرى والشباب المصرى تحديداً أنهم احياء , وان عروقهم لازالت تنبض بالحياة بعد غيبوبة طويلة .. وفى المظاهرة المليونية الأولى فى الأول من فبراير 2011 سعدت أنى كنت فى ميدان التحرير أردد مع ملايين المشاركين فى صوت هادر " الشعب يريد أسقاط النظام " وحين عدت الى بيتى فى اقصى جنوب مصر شاركتنى ابنتى العزيزة - ذات الأعوام الثلاث - والتى صادف يوم ميلادها الثالث أحداث " جمعة الغضب " فى 28  يناير 2011 نفس النداء الى حين سقط النظام بالفعل .. شكراً لشباب مصر العظماء .. شكراً لكل شهيد .. سال دمه من اجل الحرية ، الآن أقولها بأعلى الصوت .. لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً.

2011-01-26

عيش .. حرية .. كرامة أنسانية


فى محافظتى النائية .. فى اقصى جنوب مصر .. لم يخرج احد ، كنت فى الموعد المحدد ، فى المكان المحدد .. ولمدة قاربت الساعتين لم يحضر أحد ، جلست بعد ان تعبت من الوقوف ، تسليت بقراءة صحيفة حكومية فيه حديث لوزير الداخلية محاولاً التلهى بها عن النظر الى سيارات الأمن المركزى الضخمة التى تقف فى الجهة الأخرى من الميدان ، وتلك الرتب المتنوعة التى تحلقت فى أحد الأركان يتسلون بشرب الشاى بعد أن أدركوا وأبلغوا قيادتهم ,, ان الأمن فى مدينتى مستتب .. وأنه فى أقصى جنوب مصر .. لم يخرج أحد.
عدت .. لم يكن شعوراً بخيبة الأمل هو ما انتابنى ، فلم يكن من المتوقع على الأطلاق ان يكون للأمر فى محافظتى أى ثقل من أى نوع .. لكن ان يكون الحضور منعدم تقريباً فقد كان الأمر يستحق التفكير .
عدت .. أتابع الأخبار وأتابع تدفق الشباب بعشرات الآلآف الى ميدان التحرير بالقاهرة .. وأشعر بالراحة بأن شئ تحقق على أرض الواقع ولو كان على بعد آلاف الكيلومترات من محافظتى ، عدت وأنا أردد مع الشباب عبر التليفزيون .. عيش ، حرية ، كرامة أنسانية .. عدت وأنا أتمنى ان يستمر الأمر وان يمتد وان تصبح عشرات الالاف مئات آلاف .. وأن يمتد يوم الغضب من شمال مصر .. الى محافظتى فى أقصى جنوب مصر.