2005-12-14

الثالوث .. والحرية (2) 0


السياسة

الكلمة الغامضة .. المخيفة للكثير من البسطاء من الناس .. التى تثير الرجفة فى القلوب .. السياسة ، تلك الكلمة التى وصمت بالخوف وبالمصير المجهول لمن يحاول الأقتراب منها .. تراكمات وخبرات لسنين طوال ولحكايات واساطير الأولين والسابقين ، حيث كانت - ولازالت - متلازمة مع كلمات اخرى مثل : المعتقلات ، والتعذيب ، وأمن الدولة .. ووراء الشمس بتعبيرنا الدارج ، هى الضلع الثانى فى ثالوث التخلف الذى نعيشه ، واحد تابوهات الشرق العصية التى تؤرق مضاجع الحكام عند سماعها تتداول على ألسنة العامة ففيها اقتراب من منطقتهم المحرمة الأ عليهم وعلى الراضين عنهم من ابناء الشعب ، وعلى الرغم من ان الثوار والمطالبين بالحقوق هم الرموز المبهرة للشعوب ـ الا ان النهايات المؤلمة للعديد منهم كانت دائماً ماثلة فى أعين العامة والرؤوس المعلقة على ابواب المدن ، والمرسلة فى طرود الى الحكام عبر العصور كانت تجعل العزائم تخور والهمم تنهار سريعاً ، سبارتكوس فى الماضى والأمام الحسين رضى الله عنه فى صدر الدولة الأسلامية وتطول القائمة لتضم المئات من اسماء من خالف فى الرأى .. فقط رأى الحاكم
لنلق نظرة على معنى الكلمة فى قواميسنا العربية ..ففى المعجم المحيط السِّيَاسَةُ [سوس]: مصـدر،-: رئاسة الناس وقيادتهم وفى المعجم الوسيط سِياسَةٌ - [س و س]. (مصدر. ساسَ) "سياسَةُ البِلادِ" : تَوَلِّي أُمورِها، وَتَسْيِيرُ أَعْمالِها الدَّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّةِ وَتَدْبيرُ شُؤُونِها والسياسى ."سَاسَ أُمورَ النَّاسِ بِالحَقِّ" تَدَبَّرَهَا، تَوَلَّى تَدْبِيرَهَا وَتصْرِيفَهَا
تلك هى معانى الكلمة فى اللغة , ومن ذلك نستطيع ان نتبين بعض النقاط ، فمصدر الكلمة وفعلها وفاعلها لابد ان تحتوى على شقين شخص مخول له القيام بفعل التسيس وآخرون يتأثرون بهذا الفعل ، ومن هنا كانت البداية والنهاية .. العلاقة بين الفاعل والمفعول بهم وهى مربط الفرس كما يقولون
نمتاز نحن المصريون عن غيرنا من الشعوب المجاورة بتراكمات طويلة وارث عريض من شكل تلك العلاقة بين الحاكم والمحكومين وهما طرفا العلاقة السياسية كما اوضحنا . فمنذ مينا " موحد القطرين " وتأسيس عصر الأسرات وهو بداية التأريخ للحضارة المصرية ، كانت العلاقة ولازالت الى الآن لا تأخذ الا شكلاً واحداً .. حاكم مطلق .. فرعون .. أله .. رب أعلى ..يتقلب مع الأيام والسنين كما تتقلب ، يختلف لقبه من عصر الى آخر ومن زمان الى زمان فهو الفرعون , القيصر ، الخليفة ، والأمام ، وهو الظافر والمظفر والناصر والمنصور وهو الخديوى والسلطان والملك .. وهو اخيراً الرئيس وقريباً الرئيس ابن الرئيس ، قد تكون بدايته بشرية الطابع لكن كرسى الحكم فى مصر قادر على تحويله الى مصاف الآلهه .. فهو العادل المستنير العاقل الحكيم الملهم وهو صاحب التسعة والتسعون اسم ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
ارث ضخم ومهول من الأستسلام والخضوع والخنوع لمن يعتلى سدة الحكم فى مصر ولو كان عبداً مملوكياً او مغامراً كان يبيع التبغ للعسكر ، او افاقاً يتلون حسب لون المرحلة ، ومن هنا ابدعنا نحن فى التاريخ .. الحاكم الآله .. ثم الخليفة ظل الله فى الأرض .. فالمستبد المستنير .. شيخ القبيلة ورب الأسرة .. وابتكرنا من الألفاظ ما له العجب .. فالشعب تارة " اخوانى المواطنون " وتارة أخرى " كلهم أولادى " ومارسنا الأمور بطريقتنا .. فكنا اول من ألبس " الأشتراكية العلمية " الجبة والقفطان فصارت اشتراكية علمية " متدينة " فى ميثاقنا الشهير فى حقبة الستينات ، ثم كنا بعد ذلك أول من أنبت للديموقراطية " أنياب " فى عهد الرئيس المؤمن فى سبعينات القرن المنصرم ، الى ان وصل الحال بالناس فى عهد الرئيس " الحكيم " طويل العمر ان صاحت .. " يسقط الأستقرار " بعدما صار الأستقرار مساوياً فى مساوئه للأستعمار
السياسة هى التابو الثانى فى ثالوث المحرمات الشرقية فاذا كان الكبت والقمع الممارس ضد الجنس لفظاً وفعلاً ، هو أحد اسباب تخلفنا كأفراد وسبب عجزنا المتواصل فى النصف الثانى من القرن الماضى ، عجزنا عن الأبداع والعمل والنبوغ ، عجزنا عن العطاء بنسبة 100% ، فأن العجز يمتد الى الشعوب والأمم جماعات وليس فرادى فى حالة الكبت السياسى والقمع السياسى
مورس القمع السياسى – فى مصر تحديداً - منذ قديم الأذل ربما طوال خمسة الآف عاماً قبل الفتح الأسلامى لمصر ولم نسلم من ذلك ايضاً فى الخمسة عشر قرناً التالية بعد الفتح اللهم الأ ومضات خاطفة لسنين تعد على اصابع اليد اما عدا ذلك فلم يتغير الأمر على الرغم من وعود كل من يعتلى سدة الحكم فى اول امره بتحقيق العدل والرخاء للناس .. ولكنها دائماً كانت كلمات كزبد البحر تذهب جفاء ولم يمكث فى الأرض منها ما ينفع الناس
أيقنت شعوب العالم حولنا مكمن العلة وبيت الداء ، تعلمت ذلك من قراءة التاريخ والجغرافيا وعلم النفس ، فأنتفضت تغلى وتنفجر .. تنفجر ثورة على حكامها تحطم غرورهم وغطرستهم التى اكتسبوها بعد طول جلوس على كرسى العرش . انتفضت اوربا فى عصر نهضتها تحطم قيود الأقطاعيين والنبلاء واصحاب الدماء الزرقاء ميقنة ان بقاءهم عقود عديدة وبالتوريث جيلاً بعد جيل هو مكمن العلة وبيت الداء ، وأنه لن تفلح أمم تساس بالنار والحديد وتسلم قيادها لمن عجز عن ان يَسْوسَ أُمورَ النَّاسِ بِالحَقِّ"، وتَوَلَّى تَدْبِيرَهَا وَتصْرِيفَهَا وهو المعنى اللغوى لكلمة سياسى فى معجمنا المحيط ، قامت الثورات فى كل اوربا ضد حكامها فانفجرت الثورات فى فرنسا مرة تلو اخرى وسارت بحور من الدماء هى ثمن الحرية ولم يسلم من المقصلة بعض ثوارها الذين خانوا العهد واستبدت بهم اوهام القوة والمجد فالمقصلة التى قطعت رؤوس لويس السادس عشر وزوجته مارى انطوانيت صاحبة المقولة الخالدة "بأن يأكل الشعب البسكويت " وأظنها كانت صادقة فيما تقول ولم تكن تستهزأ بمشاعرالناس ، فصدقها – الذى اظنه – هو الدليل على ان الحكام بعد فترة من الوقت ينفصلون تماما عن واقع الناس وحياتهم ومعاناتهم ويسلمون آذانهم للخاصة ممن حولهم " الذين هم اشبه بالقمل يعيشون على فريستهم يمتصون دمها وينتقلون من فريسة لأخرى غير مكترثين اوعابئين الا بما فيه بقاؤهم على قيد الحياة " والذين يقنعونهم بأن الناس لا تعانى .. وان كانت تشتكى فهى شعوبة شكائة بطبعها , لا تشبع ودائماً تطلب المزيد . اعود واقول بأن نفس تلك المقصلة هى التى اعدمت روبسبير احد صناع الثورة الفرنسية وقادتها والذي بأسم حماية ثورة الشعب أعدم فى محاكمه 6000آلاف مواطناً من الشعب كما يقول المؤرخون بعد ان تجبر وانهار سريعاً امام بريق كرسى العرش وتحول من ثائر ينادى بالحرية والعدل والمساواة ، الى طاغية لا يرحم .. فكان جزاؤه من جنس العمل على يد الشعب نفسه
ثار المستوطنون فى أمريكا ، سكان المستعمرات على التاج البريطانى بقيادة جورج واشنطن منذ مائتى عام تقريباً ونادوا بقيم تعتمد " الحرية " تاجاً وعلماً وصاغوا دستوراً ونظاماً أسس لدولة هى الأعظم الآن –شئنا اما ابينا ، وخاضوا بعدها حرباً اهلية رسخت مرة اخرى لمبدأ المساواة وحدت الشمال والجنوب وصنعت الأسطورة الأمريكية .. أرض الأحلام كما جرى العرف على تسميتها
الشئ العجيب فى الأمر ان شعوبنا قد تثور – وكثيراً ما فعلت – باذلة الدماء طالما كان العدو مستعمراً اجنبياً وكثيراً ما نجحت فى ذلك وقاد الثوار أبناء الدم الواحد واللغة الواحدة واحيانا الدين الواحد .. أبناء الشعب نفسه دفة الحكم ، وهنا يظهر ألف روبسبير آخر .. لكن الفارق أننا نعجز عن التعامل مع هؤلاء .. لأسباب عديدة قد تكون قسوتهم المفرطة التى تفوق فى احياناً كثيرة قسوة المحتل الأجنبى ، أو لأنهم يجيدون استخدام ورقة الدين – ثالث الثالوث والتابو الأشد فتكاً – مع شعوب تراثها الدينى جزء راسخ من ثقافتها ، وقد تكون لأسباب اخرى لا اعرفها ، ان من يرى مشاهد محاكمة صدام حسين الجارية الآن على قدم وساق لابد ان شاهد مقطعاً من خطاب صدام حسين فى اواخر السبعينات وهو فى قمه مجده وسلطته وهو ينذر الناس " أقسم بالله العظيم ان من يقف أمام الثورة " .. كانوا الفا .. كانوا اثنان .. او عشرة آلاف ، فسوف أقصقص رؤوسهم جميعا .. دون ان تهتز شعرة فى رأسى " ، وكأن الحجاج بن يوسف الثقفى قدر على شعوب تلك المنطقة ان تعيشه فى الماضى وفى الحاضر
ان الشعوب لم ولن ترى العدل والرخاء المنشودين ابداً فى ظل وجود حكام من نوعية روبسبير والحجاج وصدام من شاربى الدماء ، ولن تراه ايضاً فى وجود حكام من نوعية مبارك والأسد والبشير والعميد والعقيد والأمير والشيخ والغفير، ممن جاءوا بالتوريث غصباً عن ارادة الشعب وسلطوا على رقابه عقود طويلة لا يرفع مؤخراتهم عن كراسى الحكم الأ هادم اللذات ومفرق الجماعات ، يشيخون فوق كراسيهم وتشيخ عقولهم وقلوبهم وتعجز سنوات أعمارهم التى تقارب الثمانين عن تحقيق طموح واحلام شعوبهم ، ولا يتورعون بعد ذلك عن توريث مقاعدهم لأبناء اقل ما يقال عنهم أنهم ولدوا وعاشوا فى أبراجاً عاجية .. لم يعرف ايا منهم الأحساس بالحرمان او طعم الظلم واهدار الكرامة ، هى التجربة التى تعلمتها شعوب الغرب .. فجعلت الملكيات دستورية .. فالملك .. لا يملك ولا يحكم .. والأمير يؤمر ولا يأمر . يبقى الحاكم فترة محدودة يعود بعدها الى الشعب الذى جاء منه .. لادماء زرقاء ولا الهه تسكن جبال الأوليمب ، وكلاماً من نوع " الأصلاح من الداخل .. وعدم المساس بالثوابت " هو الدليل على الرغبة المبيتة فى البقاء .. ولتشرب كل الشعوب البائسة من البحر كان محيطاً او خليجاً أيهما تحب
ان الديموقراطية ( وهى فى ابسط معانيها حكم الشعب ) وتداول السلطة التى ينادى بها المثقفون والنخبة ليست كلاماً من قبيل السفسطة او الحذلقة ، انها حقوق تلك الملايين المطحونة بلا أمل ، المهانة والمذلولة منذ فجر التاريخ ، فبقاء الحاكم – اى حاكم – فى السلطة لعشرين او ثلاثين عاماً هو صك غفران منا لهذا الحاكم ان افعل بنا ما تشاء فنحن الخانعون الراضخون ابداً .. هو تسليم لهذا الحاكم ولو كان نبياً او ظل الله فى الأرض الى الشيطان وابالسة الأنس وتركه بلا حماية الأ نفسه التى هى اهون من جناح بعوضة . السلطة المطلقة .. مفسدة مطلقة ، وطبائع الأستبداد جزء اصيل فى النفس البشرية ينمو ويكبر اذا ما اتيح له مناخ الأستبداد ، " الكلمة " على رقتها وبساطتها هى واحدة من اقوى اسلحة الأنسان ضد الطغيان والأستبداد ، و " اقرأ " هى اول امر ألهى صدر لهذه الأمة ، والتاريخ يقول انه لم تثر او تنتفض فى يوم من الأيام امة جاهلة او امية لا تعرف حقوقها ، واستمرار حركات الأنتفاضة الشعبية السلمية على يد " المثقفين " ، و " النخب " هى البداية لرفع وعى الناس بحقوقهم السياسية وتشجيعهم على ممارسة تلك الحقوق والمطالبة بالمزيد وهى المدخل الشرعى لأى مطالب بالتغيير ، وفقط الحكام الأغبياء هم من لا يدركون ان التالى .. هو الأنفجار ، وقد بات قاب قوسين او أدنى

هناك تعليق واحد:

Rose يقول...

الحقيقة انا معنديش تعليق يكون بمستوى الكلام المكتوب، لكن عندي تعليق على الجزء الخاص بان شعوبنا عندها ميراث هائل من الاستسلام والخضوع.. وهو في الواقع مش تعليقي هو كلام العظيم جمال حمدان في كتابه شخصية مصر.. جمال حمدان بيقول ان شعوب البيئة الزراعية بيكون عندهم استسلام وخضوع ونادر جدا لما يثوروا على الظلم والطغيان، ففي مصر مثلا نهر النيل هو اللي بيتحكم في مصير الزراعة والحاكم هو اللي بيتولى التحكم في النهر وتوزيع حصص المياه وفي ايده يمنعها عن اي حد، يعني اللي في ايده النهر في ايده حياة الناس، ودا السبب اللي خلى معظم الحكومات في العصر الفرعوني كانت بتتخذ من جنوب مصر مقر لحكمها علشان تتحكم في النيل من بدايته، دا بعكس البيئة الجبلية مثلا اللي هي اصلا ضد الاستقرار فبتلاقي الثورات بتخرج منها، لان اهلها في الاصل معندهمش حاجة يتمسكوا بيها وممكن يخسروها لو تمردوا.. احمد خالد توفيق بيعلق على الكلام دا وبيقول انه علشان كدة نابليون قال ان افضل جندي هو الجندي المصري، لانه - بغض النظر عن الكفاءة العسكرية - هو جندي مثالي لانه بينفذ كل اللي بيطلب منه
انتهى الكلام