2005-10-09

حائر


استيقظ مثقلاً صباحاً .. كعادتى .. ارتدى ملابسى فى عجالة .. واشرب اخر رشفة من كوب الشاى الساخن .. اسمع كلاكس السيارة فى الخارج .. احمل شنطتى ، سلسلة مفاتيحى ، نظارتى .. واخرج ، نفحة من هواء الصباح تجعلنى اطرد بقايا النوم من رأسى .. ذلك الرأس الذى لا يريد ان يهدأ .. ولا يريد لصاحبه ان يهدأ ..اول ايام شهر رمضان غداً ..تبدو السعادة على وجوه الناس والكل ينادى الآخر .. كل عام وانت بخير
وانا ابدو كما انا.. لا سعيد ولا حزين .. لا شقى ولا مرتاح .. لا ارتاح للشك ولا املك اليقين .. دائماً اعيش فى تلك المنطقة .. البين بين ، كثيراً ما تساءلت عما اريده حقاً .. ولماذا اشعر طوال الوقت بنوع من الحنق والغضب .. الذى قد يكون مبرراً احياناً .. واحياناً اكثر غير مبرر .. سمعت الكثير من النصائح .. الكثير والكثير من التحليل .. ذهبت اسأل شيخ الجامع .. الصديق القريب .. والدتى .. بحثت عبر الأنترنت .. حاورت اناس لا اعرفهم .. فى برامج الفضائيات المتعددة .. بين الكتب .. لم اجد اجابة شافية .. او انى وجدت ومع ذلك وجدتنى غير قادر على ممارسة اطروحاتهم المختلفة .. وتبدو الكلمة الأنسب .. هى لا اعلم ، تختلف الأراء حسب كل خلفية للمتحدث .. كل يصف الدواء من وجهة نظره .. ومن زاويته ..من يحمل تراثاً قوياً من الثقافة الدينية .. يجزم ان الدين هو الحل .. ان الأسلام هو الحل .. يلقى الكلمة هكذا دون تفسير او شرح وبيقين احسده عليه .. حين ابدأ فى مناقشة الأمر معه .. وطرح اسئلة من نوعية كيف ولماذا .. يبدأ صبره فى النفاد .. والنظر تجاهى بشك عظيم .. ولسان حاله يقول .. زنديق ..لا يقبل من يتحدثون باسم الدين اسئلة محرجة .. واستفسار حول تناقض واضح تراه من وجه نظرك – ولا يجيبك احد عليه .. لا اتحدث عن الفقه والعبادات .. اتحدث عن تاريخنا الأسلامى الممتلئ اموراً جلل .. يكفى الحديث فى احداها لاعلان حالة الاستنفار .. واعلان ان بين الجموع مهرطقاً او زنديقاً .. سمعت جملة يقول مرددها انها حديث صحيح للرسول صلى الله عليه وسلم .. لم افهمها جيداً .. وبشكل ادق .. لم استسغيها ولم يقبلها عقلى بسهولة .. ساقنا الحديث نحو مفهوم الحديث الصحيح .. والى اى حد هو صحيح .. كان اخر سؤال سألته لصاحبنا .. أليس الأمام البخارى ومسلم .. صاحبى الصحيحين .. بشراً .. أليس كل البشر يخطئ مهما بلغت دقته .. لاسيما ان بين الأمامين وبين قائل الحديث – صلى الله عليه وسلم – اذا صح نسبه له عليه السلام .. اكثر من مائتى عام .. اكفهر وجه صاحبى وكأنى نطقت كفراً .. دعا لى بالهداية وقراءة القرآن وتْرك ما اقرأه من كتب .. ابتسمت ولم اجب
مساءاً .. القيت رأسى على وسادتى ابحث عن النوم .. جافانى قليلاً .. قررت استكمال قرأتى لكتاب " لا تحزن " للدكتور عائض القرنى .. احب هذا الكتاب .. يثير فى حالة من السكينة لكنها وبكل اسف .. اشبه بقرص الأسبرين .. يزيل الألم .. مؤقتاً .. يعود بعدها الألم مرة اخرى ومرات .. يفعل بى الكتاب فعل المسكن .. الرضا .. الزهد .. القضاء والقدر .. الأيمان .. اليقين .. يا شيخى الفاضل .. لوكنت املك القدر الكافى من كل ذلك ما احتجت كتابك ..
يعود السؤال بألحاح اقرب للصداع المزمن .. لماذا اشعر بالغضب .. لماذا كلما جلست الى نفسى قليلاً .. شعرت بنفس حالة الحنق والقلق .. اتأمل كثيراً فى الوجوه اللامعة المغسولة فى برامج الفضائيات .. الضحكات الصاخبة .. والعيون اللامعة .. والرقص الهستيرى .. هل تراها صادقة فى ذلك .. هل هم سعداء حقاً .. لا اعلم ، كنت قد رددت قبل فترة على صديق ارسل عبر مجموعتنا البريدية .. حول لماذا يفكر البعض فى الأنتحار .. اجبته ساعتها .. بما اود ان اقوله لنفسى .. وبما اود ان انصح به نفسى .. كان حديثى موجهاً لى اولاً .. وله ثانياً .. اعلم انه كان مبالغاً فى سؤاله .. ففكرة الموت هرباً .. تبدو سخيفه لأقصى حد .. فالتحدى فى ان تعيش وتحارب من اجل ما تريد .. فقط تبدو المشكلة فيما تريده تحديداً .. ولأى جبهة تنحاز .. وأى معركة تحارب.. وتبدو فى الأفق صورة " دون كيشوت " لسيرفانتس .. كنموذج لما يمكن ان تكون عليه العيش فى حالة المعركة .. المعركة الخطأ
الخطاب الدينى .. غير شافى .. خطاب رسمى .. متعالى يعيش فى ابراجه العاجية .. والأزهر رأس المؤسسة الدينية فى مصر فقدت الكثير من مصداقيتها .. واصبح على رأسها شيخ المبايعين الذى ما ان ارى ابتسامته الباهتة وطريقه كلامه .. الا وانتابتنى موجه من موجات الضحك .. وشعرت بأنى أمام ممثلاً يؤدى دور شيخ فى مشهد هزلى .. حتى عمرو خالد .. من جدد قليلاً فى اسلوب الخطاب ونوعيته .. اجدنى لا اتفق مع بعض مقولاته .. فلا افهم كيف يمكن ان يتحقق العدل فى الأرض فقط اذا ما وصل المصلون فى صلاة الفجرالى نفس عدد مصلين صلاة الجمعة مثلاً .. هب ان هذا لم يحدث .. الا نبحث عن العدل بطريقة اخرى .. الا نفكر بأن ننتزع هذا الحق بأيدينا .. لا اعلم
حزب الغد .. فى دائرة الصراع الداخلى .. اشتعلت الحرب الأهلية بين جنباته .. اشعر بأنى اسمع صوت ضحكات صفوت الشريف خلف الكواليس .. ترى هل ستقوم للحزب قائمة ام تراه دخل مقبرة الأحزاب بين رفاقه .. مصر الفتاه .. العمل .. الأحرار .. الوفاق .. العدالة الأجتماعية .. لا اعلم
احمد الفيشاوى .. قفز هذا الأسم الى ذهنى فجأة .. هدأت زوبعة قضيته .. او تراجعت بفعل مسرحيات اشد تشويقاً كانت تمر بها مصر خلال الأشهر السابقة .. واتوقع ان تعود القضية الى الأضواء قريباً .. فلابد من شغل قطعان البشر فى مصر بقطعة لبان يلوكها الفم .. ويشغلون بها انفسهم .. بعد انفضاض مولد الديموقراطية والمهلبية .. واعلان المبايعة للأب والأبن والروح القدس .. يقفز اسم احمد الفيشاوى الى ذهنى .. واتأمل حاله وحال رفيقته او زوجته او صديقته او عشيقته .. هند الحناوى .. شباب نادى البعض برجمهم .. واخرون بصلبهم .. وقليل بشنقهم .. وانقسم الناس بين فريقين .. ذكورى وانثوى .. حناوى وفيشاوى .. وانفجر الوضع بين المنادين بحقوق المرأة .. والمنادين بحقوق المجتمع والدين والناس ..الفيشاوى وحناوى .. كلاهما فى سلة واحدة .. كلاهما مفعول به .. كلاهما ظالم وكلاهما مظلوم .. ظالم لنفسه .. ومظلوم من كل الأوضاع السيئة التى حولنا .. هم ليسوا بالقطع نموذجاً للشباب المصرى .. لكنهم – وبلا مبالغة – يمثلون حالة التشتت واللافهم التى يعانى منها مجتمعنا .. واقصد تحديداً شبابنا ..." نحن" ، تضج المجتمعات العربية بصراع مكتوم .. انفجر مع انفجار ثورة المعلومات والاتصالات .. فقد انكشفت ورقة التوت التى كانت تستر عوراتنا ... وانكسرت قشرة البندق الرقيقة التى كنا نحتمى بها .. وكما يحترق مصاصو الدماء فى الروايات الأسطورية عند تعرضهم لضوء الشمس المباشر .. احترقنا نحن عند تعرضنا لأشعة الثقافة الوافدة من كل صوب وحدب تجاهنا .. وثار السؤال الأصعب .. من نحن .. ولأى اتجاه نسير .. لا اعلم
يقف الشاب العربى .. غنيه وفقيره .. شرقيه وغربيه .. شاميه ويمنيه ... مشدوداً بين اتجاهين مختلفين كل يجذب فى اتجاه وبقسوة وعنف لا تقوى اجسادهم على احتمالها .. اتجاه يجذب تجاه الشرق .. يمثله جيل الأباء من عاشوا ثقافة الأنغلاق .. اتجاه ولى شبابه .. ويعيش كهولته ويطلب منا ان نعيش شبابنا فى كهولتهم .. وينادى بقيم الدين وثقافة الشرق .. كغلاف .. بيوت عنكبوت .. يطلب منا العفة والفضيلة .. والصوم الجبرى دون ارادتنا فى عالم باتت فيه ثقافة التيك اواى ثقافة الجيل بلا منازع .. يطلبون منا الرضا والقناعة وقبول القضاء والقدر .. يطلبون منا انتظار الثواب فى الحياة الآخرة .. وحولنا لا يرتفع الى عنان السماء الا كل قواد او عاهرة .. فى كل مجالاتنا فالقوادة والعهر السياسى والأجتماعى والثقافى .. اشد وطأ من العهر والقوادة بمعناها الحرفى .. يطلبون منا ان نعلب دور الشيخ .. فى فيلم بورنو .. وهو الشذوذ بعينه..واتجاه آخر يجذب وبنفس القسوة فى الاتجاه المضاد .. يحمل معنى براقاً جذاباً .. الحرية .. التمرد .. وهما وقود حياة الشباب .. اتجاه يحمل قيماً مضادة لكل قيم القبيلة وثقافة القبيلة التى نشأنا عليها .. اتجاه يدعوك لأن تعيش الحياة الدنيا .. ان تتحرر من الشرق وعقده ومشكلاته وثقافته المزدوجة .. التى تغفر لك ان تمارس فى السر ما لا تغفره لك علانية .. ثقافة النعامة التى ما ان تشعر بالفزع حتى تدفن رأسها بالرمال .. فالمهم ليس حجم الخطر ولا مدى اقترابه .. ولا مدى تأثيره .. الأهم .. عدم رؤيته .. ثقافة تقتحم حياتنا بقوة وبعنف .. تتسلل كالهواء .. تستنشقه آلياً ايا كان ما يحمله .. ثقافة تدخل كالشمس مهما حاولت ان تستظل منها فسوف تشعر بحرارتها ولهيبها .. ثقافة تهاجم بقوة .. وانت لا تمتلك وسيلة دفاع .. اللهم الا احاديث الماضى السحيق .. واحلام حول عدالة ابن الخطاب .. ونزاهة بن عبدالعزيز.. وهكذا نتوه .. كما تاه الفيشاوى- الحناوى .. بين اتجاهين .. اتجاه يجذبنا نحو ماضينا وسلفنا يدعونا للآخرة وحسن المآب .. ويسلحنا بالعصى والحراب واوراق التوت .. واتجاه يجذب بقوة طاغية نحو الأتجاه المضاد .. يدعوك للحياة .. للحرية .. للثورة على كل تابوهات الشرق البائس .. ومع ذلك لا نملك ادواته ... ولا نعرف كيف الحصول عليها .. ينغص علينا استمتاعنا – اذا ما اردنا الأستمتاع بها – الجذب القادم من الأتجاه الآخر .. وقيود نشأتنا وما تربينا عليه .. ابدو غير مدرك لما اقول .. غير قادر على صياغة افكارى .. ربما حيرتى بين الأتجاهين هى السبب .. واحد اسباب قلقى عدم قدرتى على حسم المعركة بينهما .. واعتقد ان كلا من الفيشاوى والحناوى .. عانا من نفس المعضلة .. لا اعلم
اود ان استسلم للنوم منذ اللحظة الاولى التى اضع فيها رأسى على الوسادة.. اود ان يكفى رأسى عن الغليان .. أود ان لا افكر فى شئ .. ان لا اهتم بشئ .. تزداد الأمور صعوبة مع الوقت ، هل الحل ان لا اعرف .. ان اكف عن القراءة .. مشاهدة الأخبار .. ان انكفئ على ذاتى .. سأحاول .. لعلى استطيع النوم

هناك تعليق واحد:

ألِف يقول...

"ثق في أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة، و احذر من يدعون أنهم وجدوها" - أندريه جيد