2012-01-29

حديث مع صديقى .. المتدين.


بعد ان انتهى حوارنا الى – لا شئ – نظر الىَ وفى عينيه غير قليل من الأشمئزاز .. وبنبرة ضيق قال :
-          ألا تغار على دينك !
تحاشيت النظر اليه ، ولم أرد .. غمغم منصرفاً بعد ان تحولت جلستنا الأولى – وأظنها الأخيرة -  منذ ما يزيد عن خمسة عشر سنة لم نلتق خلالها بعد زمالة سنوات الدراسة الجامعية الأربع ، وبعد ان فرقتنا الأيام وجمعنا فيسبوك .. فالتقينا هذا اللقاء الذى بدأ بذكريات الزمالة وانتهى بمآل مصر فى السنوات القادمة .. لم نكن من المهتمين بالعمل السياسى فى الجامعة ، ربما كانت مصر كلها فى هذا التوقيت .. منتصف التسعينيات لم تكن مهتمة بالعمل السياسى ، لكننا ومع مرور الوقت اهتممنا ثم تشيعنا يمنة ويسرة .
سلك زميلى مسلك اليمين ، واطلق لحيته وعلت جبهته " زبيبة " تعلن فى صرامة ان سيماهم فى وجهوهم ، وان زميلى يمم وجه شطر اليمين ، وهذا اختياره .. اما انا فقد كنت ابداً اميل الى اوسط الأمور فلا احب التشدد فى شأن يمس حياتى ، ودائماً ما ادعى بأننى لا افعل الا ما يليه علىَ عقلى فلا أحيد عما يوجهنى اليه وان اختلف مع العديد من مسلمات الناس وعقائدها.
عدت الى سؤاله الغاضب : ألا تغار على دينك !
لم أشاء ان اجيب زميلى ، رفقاٌ به وابقاء على خيط من الماضى يصلنا الى الحاضر او المستقبل .. لكننى أجبت السؤال فى نفسى وبلا تردد أجبته وكأننى أحدثه : 
مذ متى كانت الأديان تحتاج الى غيرتنا او حمايتنا .. تداعت الى ذهنى أقصوصة لطالما حُكيت لنا صغاراٌ ، حين دعا ابرهة الحبشى كبير مكة وشريفها " عبدالمطلب بن هاشم " وهو على مشارفها ينوى هدم بيت الله فيها ، فمثل أمامه داعياً اياه ان يطلب ، فلم يطلب منه عبدالمطلب الأ ان يرد اليه ابله وبعيره .. واطلق مقولته الأشهر : أن للبيت رب يحميه .
نعم ان للبيت رب يحميه ، ولكل بيت رب يحميه .. ولكل ذكر انزل او اصعد له من اصحابه حافظون .
عدت بذاكرتى الى مناطق التباعد بينى وبين صديقى فى الحوار علنى اجد ما اضجره او اغضبه ، كل ما قلته كان بحق هو كل ما اعتقده ، هو اعتقاد رسخته تجارب ما بعد الجامعة وان قلت ، رسخته زيارة الى الخارج " خارج الصندوق " وخارج مصر وان كانت زيارة واحدة ، رسخته قراءة نهمه للتاريخ قديمه ومعاصره وحديثه وان كان بلا قصد .
كل ما قلته لصديقى كان حلماً احلم ان تكونه مصر ..
مصر التى يعلو فيها صوت القانون فوق كل صوت ، قانون نضعه نحن ، نكتبه ونصلحه ونحذف منه حين يحتاج الأمر الى اعادة كتابه او اصلاح او حذف .
قانون يغطى كل جوانب الحياة بتفاصيلها – كما فى كل الدنيا – فيصبح القانون ملزماً لكل من ارتضى ان يحمل هوية وطنى وجنسيتها ، قانون الأصل فيه صالح المواطن ، يكفل له حقوق انتجتها البشرية خلال آلاف السنين ، حقوق صاغتها وراعتها لم تفرق فيها بين دين ودين ولون ولون وعرق وعرق ولغة ولغة ، حقوق لا يختلف عليها انسان فصارت بحق .. حقوق للأنسان.
تلك هى مرجعية القانون الأولى والأخيرة .. حقوق الأنسان ، ويصبح كل تشريع لا يراعى حقوق للأنسان هو تشريع لا ينبغى تطبيقه ايا كان مصدره .
 فتصير القاعدة ألاولى : كل حق ترتضيه جماعة من البشر ولا ينافى الفطرة الأنسانية هو حق من حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثانية : كل أمر يزرع الفرقة بين جماعات البشر ويميز بينها على اى اساس كان هو امر ينافى حقوق الأنسان .
وتصير القاعدة الثالثة : كل جماعة من البشر تسكن ارضاً هم مواطنون على هذه الأرض عليهم واجبات متساوية ولديهم حقوق واحدة.
وتصير القاعدة الرابعة : كل تشريع لا يساوى بين هؤلاء المواطنون هو تشريع ضد حقوق الأنسان.
وتصير القاعدة الخامسة والأخيرة : ان ثقافتنا – والدين جزء منها – هى امر واجب المراعاة ، يؤخذ منها ويطبق ما يراعى الأنسان وحقوقه ويستبعد منها ما لا يراعى هذا الأنسان وحقوقه.
جُل بنظرك فى الجغرافيا حولنا ، ودُر بعقلك على التاريخ وأزمانه .. سوف تكتشف ان القانون وحده وسيادته – ومرجعيته الأنسان وحقوقه – هو من رفع أمم كانت بلا اعمدة ، وان ما دونها هو من شتت وفرق واسال بحور الدماء .
اسرائيل وتعنتها .. الهند وباكستان وكشمير وبنجلاديش وتفرقها.. لبنان وحربها الاهلية  .. العراق وتشرزمه .. البلقان وبراميل باروده .. افريقيا وتناحرها ... الخ ، هى امثلة لأمم وقارات تعلو فيها اصوات اخرى غير صوت القانون ويحتكم فيها الى شرائع تميز بين الأنسان والأنسان .. ولا تراعى له حقوقاً.
ان الدين والمذهب والعرق واللون واللغة هى جزء من ثقافة اى أمة قد تكون ألغام – حتماً سوف تنفجر – اذا ما لم تُحيد جميعها ، واذا ما لم يتم صهرها فى بوتقة واحدة ينتج منها سبيكة قيم واخلاق تحافظ على ما هو مضئ من تلك الثقافة ، يكسوها قانون انسانى يلتزم به الجميع ويكون ملاذاً عند الغبن او انتهاك حق انسان.
كان ابرز ما لا حظته  لدى صديقى المتدين ، هو ذلك اليقين المطلق والمعروف فى ادبيات النخبة باسم – الدوجما – بأن ما يفهمه وما يعتنقه من أفكار معدة ومقولبة " سلفاً " هى الحقيقة المطلقة ولا حقيقة غيرها ، وأنها الطريق الوحيد الى النجاة فى الدنيا والآخرة .
وكان أبرز ما لم يفهمه صديقى مما أقول ، أن الشعوب والحضارات فى الماضى والحاضر هى حصيلة تجارب انسانية شديدة الثراء لا ينبغى ان تختزل فى مطلق هنا او هناك او ان اجمل ما فى الأنسان رغبته الصادقة فى البناء على تجاربه حتى تستقيم الحياة ، وان قدراً من الأنفتاح واتساع الأفق كفيل بحل مشاكلنا وان كثرت ، وان تسامحاً صادقاً مع الآخر " ديناً او مذهباً او عرقاً او لوناً او لغة " يقوم على اساس المساواة التامة فى الألتزام بقانون نضعه جميعاً مصدره الأول والأخير .. الأنسان وحقوقه ، هو الطريق الى الجنة .. على الأرض وفى السماء.
ما لم يفهمه صديقى المتدين أننى بدعوتى تلك لا أدعو الى انحلال اخلاقى - كما يزعم – ولا تنحية لدين – كما يرى – لكننى احلم بوطن – ولن امل من تكرارها – يسود فيه قانون مبنى على الأنسان وحقوقه ، تعم ارجائه اخلاق منبعها ثقافته المستمدة من الدين .. كل الدين.

الى صديقى المتدين ، اجابة على سؤالك الأستنكارى : ألا تغار على دينك ! 

أقول لك ما قاله عبدالمطلب بن هاشم منذ مئات السنين  :


 أن لى وطناً أخاف عليه وأغار عليه .. أما البيت فله رب يحميه .