2011-05-29

التاريخ يعيد نفسه .. هذا أمر مؤكد!



من قال ان التاريخ لا يعيد نفسه .. ان التاريخ يعيد نفسه ، مرة ومرات .. وفى الكثير من الأحيان بتفاصيل قد تكاد تكون متطابقة ، وأسوق إليك نموذجاً لهذا التكرار الذى يكاد يكون متطابقاً .


هناك تساؤلات تبدو بسيطة فى ظاهرها ، مركبة فى مضمونها .. تدور فى نفوس المصريين الآن ، تشى بها الأعين وتدور حولها النقاشات والحوارات فى اى لقاء يجمع اثنين من المصريين فأكثر ، التساؤلات فى ايجاز .. 


لماذا كثرت المشاكل ، وزادت الفوضى ، والتهب الصراع بين المصريين فى الأشهر القليلة التالية لأهم واعظم ثمانية عشر يوم فى تاريخ المصريين الحديث ، لماذا كانت مصر كلها جسداً واحداً يراقب العالم قلبه وهو ينبض فى ميدان التحرير .. بأنبهار وأعجاب ، ولماذا تبعثر هذا التوحد وتشرذمت الآراء بعد انقضاء تلك الأيام المجيدة .. هذا فيما يخص المصريين فى سلوكهم كأفراد وجماعات.


التساؤل الثانى غالباً ما يدور حول من بيده صنع القرار فى مصر الآن وأقصد به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، والذى كانت " جمعة الغضب الثانية " 27 مايو 2011 موجهة بالدرجة الأولى الى لفت أنظاره بأن هناك شيئ ما يقلق المصريين على ثورتهم ، مجمل هذه التساؤلات ، لماذا يبدو المجلس العسكرى مرتبكاً فى بعض الأحيان فى اتخاذ القرارات ، لماذا يتصرف على نحو غير مفهوم فى الكثير من الأوقات ، لماذا تبدو المسافات تزداد اتساعاً ما بينه وبين الشارع المصرى .. 


ولأن مثل تلك التساؤلات سمعتها عشرات المرات من عشرات الأشخاص ، كانت مفاجأة حقيقة بالنسبة لى ان أجد بعض الأجابات فى صفحات التاريخ ، والتاريخ المصرى على وجه الخصوص ، والأكثر جاذبية .. ان الأجابة كانت فى سياق الحديث عن ثورة المصريين السابقة التى قادها نخبة من شباب الجيش المصرى .. واقصد ثورة يوليو 1952 .


العبارات التالية مأخوذة بنصها من كتاب " فلسفة الثورة " لجمال عبدالناصر ووجدت فيها وفى العديد من صفحات الكتاب الكثير من الأجابات لأسئلة يفرضها الأمر الواقع الآن :


" لكل شعب من شعوب الأرض ثورتان  :
ثورة سياسية ، يسترد بها حقه فى حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه ، او من جيش معتد أقام فى أرضه دون رضاه.

وثورة اجتماعية ، تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد.

نحن الآن أمام تجربة هائلة أمتحن بها شعبنا وهى ان نعيش الثورتان معاً فى وقت واحد ، مبعث هول التجربة أن لكل من الثورتين ظروفاً مختلفة تتنافر تنافراً عجيباً وتتصادم تصادماً مروعاً ..
أن الثورة السياسية ، تتطلب لنجاحها وحدة جميع عناصر الأمة وترابطها وتساندها ونكرانها لذاتها فى سبيل الوطن كله.
والثورة الاجتماعية ، من أول مظاهرها تزلزل القيم وتخلخل العقائد ، وتصارع المواطنين مع أنفسهم أفراداً وطبقات ، وتحكم الشك والكراهية والأنانية

وبين شقى الرحى هذين .. قدر لنا أن نعيش اليوم فى ثورتين : ثورة تحتم علينا ان نتحد ، ونتحاب ، ونتفانى فى الهدف .. وثورة تفرض علينا – برغم ارادتنا ، ان نفترق وتسودنا البغضاء ، ولا يفكر كل منا الا فى نفسه. "

وإليك تلك العبارات الهامة التى وصف بها جمال عبد الناصر حيرة مجلس قيادة الثورة فيما بعد ثورة يوليو 1952 :

" ذهبنا نلتمس الرأى من ذوى الرأى ، والخبرة من أصحابها ومن سؤ حظنا لم نعثر على شئ كثير ..كل رجل قابلناه لم يكن يهدف الا الى قتل رجل آخر ، وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف إلا الى هدم فكرة أخرى ، ولو أننا اطعنا كل ما سمعناه ، لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار ، ولما كان لنا بعدها ما نعمله .. 
ولو أن أحداً سألنى فى تلك الأيام : ما أعز أمانيك ؟ لقلت له على الفور ، ان اسمع مصرياً يقول كلمه انصاف فى حق مصرى آخر. 
وأن احس ان مصرياً قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لأخوانه المصريين .
وأن أرى مصرياً لا يكرس وقته ، لتسفيه آراء مصرى آخر . "

ألست معى بأن التاريخ يعيد نفسه .

2011-05-25

عن الحمير .. وأشياء اخرى.

هل من الممكن ان يحسد  " بنى آدم "  الحيوانات على معيشتها ، سيندفع فوراً من يملأ وجهك برزاز ريقه اذا ما طرحت هذا السؤال فى وجهه غاضباً ، مغضباً ، غضوباً .. صارخاً بأن الله كرم " بنى آدم " على كل خلق الله ، خلقه فى أحسن تقويم وكرمه بالعقل .
صحيح .. لكن تأمل معى الأبيات التالية - وهى التى دعتنى فى الأصل كى اسأل هذا السؤال - الأبيات للشاعر الأمريكى والت ويتمان والتى يفتتح بها الفيلسوف الأنجليزى برتراند راسل كتابه البسيط والممتع - والذى كثيراً ما أعود اليه - " البحث عن السعادة " .

أتمنى لو أنى استطيع ان اعيش مع الحيوانات ، فهى رابط الجأش وقانعة بذاتها
اقف واتأمل فيه ملياً
فلا أراها تعبر عن حالها بالعواء المستمر
ولا تستيقظ فى الظلام ، تبكى خطاياها
ولا تمرضنى بمناقشة واجبها تجاه الله
وليس بينها ناقم ولا من ابتلى بالهوس فى اقتناء الأشياء
ولا بينها من ينحنى للآخر ولا لجنسه الذى عاش قبل الآف السنين
ولا بينها محترم ولا بائس على سطح الأرض

الا يبدو الشاعر محقاً بعض الشئ فى رغبته ، قارن بين ما يفعله " بنى آدم " بنفسه وببنى جلدته .. وما يفعله اى كائن آخر ببنى جنسه .. هل رأيت يوماً فى حياتك حمار يكره جاره لأنه مختلف عنه فى اللون او الشكل او صوت النهيق أو .. الخ ، هل رأيت يوماً حمار يقتل حماراً آخر لأن حمارة من أقاربه تزوجت حمار من خارج القبيلة ، هل رأيت يوماً حمار ينهق معتصماً طالباً بتخليص اخت له فى الحمورية تم احتجازها من قبل مجموعة حمير أخرى لكونها اعتنقت فكرة او عقيدة أو .. الخ مخالفة او مطابقة لمجموعته الحميرية .
كلاً .. لا تعرف الحمير ولا سائر مخلوقات الله الأخرى مثل تلك النزعات والنزاعات البشرية ، آدمية الطابع والتى يتباهى بها " بنى آدم " على غيره من الكائنات ، أعرف أنك ستعود مرة أخرى الى تنبيهى بأن " بنى آدم " مكرم بعقله وتمييزه فى شتى تصرفاته ، فأن كان هذا رأيك فدعنى أقولها صراحة .. الا ساء العقل وحامله ، وبئس التمييز هذا الذى يفعله .. إن كان يحملنى على ان أكره او انبذ اواقصى اوابعد وربما حتى اقتل .." آخر " من بنى جنسى فقط لأنه مختلف عنى لسبب او لآخر ، علا شأن هذا السبب او صغر .
قبل ان تبدأ فى صب اللعنات اذكرك واذكر نفسى بأنه ما من كائن على وجه الأرض الا ويحمل قدراً من التمييز ، وتأمل معى تلك الآية القرآنية .. " وأن من شئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم " .. أليست الحمير وكل الكائنات غير البشرية - طبقاً للآية الكريمة - تفهم من الدين ومن فلسفة الدين .. أفضل من " بنى آدم " وعقله وتمييزه ، أليس الشاعر محقاً حين عبر عن رغبته فى الأبيات السابقة .. لا ابحث عن اجابة ، فالأجابة عندى محسومة.