2011-02-20

نحو قراءة ليست جديدة .. للعلمانية

أعرف تماماً أنه ليس وقته الآن ، وأدرك تماماً ان مصر والمصريون الآن فى حاجة للألتقاء حول أرضية مشتركة يمكن الوقوف عليها لاعادة بناء مصر الحديثة التى نتمناها جميعا .. واتفهم النوايا الصادقة التى تدعو الى البحث عن نقاط الاتفاق والاختلاف فى مثل هذا الوقت العصيب .. ولكن.
يمكن وصف ما يحدث فى مصر الآن ، عقب تداعيات ما بعد 25 يناير ، ولن اضع مسمى لهذا الذى يحدث .. فإلى ان يلتقط التاريخ انفاسه ويعيد ترتيب أفكاره وصياغة تسميات ما حدث سأكتفى بقولة  " تداعيات ما بعد 25 يناير " ، يمكن وصف ذلك بأعادة احياء التفاعل السياسى المصرى ، فمن المعلوم أن معادلة كيمياء السياسة المصرية قد توقفت منذ زمن .. حيث تاهت المدخلات وخبت - ولا اقول توقفت - بفعل عوامل لا مجال لذكرها الآن ، ثم انعدمت الى حد كبير عناصر الحفز فى هذه المعادلة فكان من الطبيعى ان لا تتكون مخرجات ولا تظهر نتائج لذلك التفاعل السياسى البارد ، الى ان حدث ما حدث وكانت 25 يناير هى العامل المحفز الفيصل فى اعادة التفاعل واحيائه مرة اخرى.
فى اطار هذا التفاعل الصحى والأيجابى الذى بدء والذى من المتوقع ان يستمر الى فترة ليست قصيرة تتجاذب فيها عناصر وتتنافر أخرى ، يسخن التفاعل الى درجات تحتاج معها الى الحذر وتتفاعل اخرى بشكل غير متوقع ، لكنها تبقى على ايه حال .. افضل بكثير من حالة الجمود التى عاشتها مصر طوال العقود السابقة .
اقول فى اطار هذا التفاعل .. يمكن بهدوء التعامل مع بعض القضايا التى تبدو حساسة فى مثل هذه المرحلة ، والتى منها على سبيل المثال الجدل الدائر الآن حول هوية مصر فى المرحلة القادمة ومنبع هذا الجدل هو المادة رقم 2 من الدستور المصرى الحالى التى تجعل من " دين الدولة الأسلام ، والمصدر الرئيسى للتشريع هو الشريعة الأسلامية ".
يمكن الحديث حول هذه النقطة فى محورين أساسين لا ثالث لهما .. أولهما هوية الدولة المصرية ، فقد اتفق - فيما يشبه الاجماع - اننا بحاجة الى دولة ديموقراطية مدنية وهو أمر هام ، لكننا - وهنا نقطة الخلاف الأصيلة - وهو الأهم بحاجة الى دولة .. علمانية.
يقول المفكر المصرى زكى نجيب محمود فى مقال له حول العلمانية " أنا لا اخشى الكلمات ، فما هى الا وعاء أو اطار يحوى مضموناً نستطيع ان نقيم المضمون او المحتوى دون الأحساس بالفزع من هذا الأطار " ، وعلى ذلك فيمكن الحديث عن العلمانية فى ضوء مفهوم مختلف عما يرسخ فى وجدان العامة وبعض الخاصة من كونها بشئ من التبسيط هى فصل الدين عن الدولة بمعنى آخر ان يبقى الدين يعتنقه الأفراد ويمارسون شعائره بكل حرية ممكنة وأن لا تجد المؤسسة الدينية عقبات من اى نوع فى رعاية ابنائها ولا ممارسة دورها الاجتماعى والتوعوى . فى المقابل تلتزم تلك المؤسسة الدينية بعدم الخوض - اطلاقاً - فى اى شأن من شئون الممارسة السياسية وأن لا تمارس نوعا من التوجيه لأفرادها يخالف الدستور والقانون المدنى المتفق عليه من قبل الشعب. يحفظ هذا لكلاً من الطرفين حدوده ومسئولياته .. فيبقى الدين وكتبه المقدسة بعيداً عن ترهات السياسة وألاعيبها ، وتبقى السياسة بعيدة عن تدخلات الرب ومن يتحدثون باسم الرب.
فيما يختص بالاغلبية فى مصر - واعنى المصريون المسلمون وانا منهم - يثير مثل هذا الحديث حنقهم ، ويعدونه نوعاً من هدم الدين المتعمد وأن من يدعون لذلك أما اصحاب اجندات هدامة ، او انهم مغسولوا الأدمغة او فى اضعف الأيمان مهتزوا العقيدة .. ضلوا الطريق الى الصواب.
وبقليل من التريث يمكن طرح القضية على طاولة التشريح وإعمال العقل فى محاولة الخروج من دوائر التابوهات المحرمة والخطوط الحمراء .. الخ . حيث يمكن العودة الى نص المادة مثار الجدل وتقسيم العبارة الى شقين " دين الدولة الأسلام " وفى هذا يمكن الرد ببساطة بأنه من المستغرب بل ومن العجيب أن تمنح شخصية اعتبارية مثل الدولة هذه الصفة .. فلا أهم كيف تكون دولة ما مسلمة او غير مسلمة .. اتمارس اركان الأسلام الخمس ( من الشهادة بالوحدانية وانتهاء بحج البيت ) أم انها تسبح الأ الليل واطراف النهار .. ليس تسطيحاً للأمور لكنه أمر يحتاج الى قليل من التأمل .. أفهم ان الفرد ينتمى الى دين .. وأن المسلم يعتقد فى أركان الأسلام الخمس ويمارسها كاملة ان كان ملتزماً ، أم ان تطلق تلك الصفة على الدولة ككل فهو لعب بالمشاعر ودغدغة لعواطف البسطاء .
للفرد مطلق الحرية فى ان يعتقد فى الدين الذى يشاء وان يمارس طقوسه وشعائره بكل الحرية الممكنة فى اطار الدولة العلمانية ، فلم يكن ابداً من ضرورات علمانية الدول القضاء على الدين او محاربته ، والاستقواء فى بعض الأحيان بنماذج مشوهه لممارسات من بعض الأنظمة القريبة فى بدايات أعادة تكوينها أمر لا يخل بمضمون ما نقول ، فلازالت تركيا وماليزيا وغيرها دولاً علمانية فى طور النهضة وان شابت ممارستها فى بعض الاوقات نوعاً من العنت ، المبرر وقتها .. والذى تخلت عنه بنضج واستقرار الانظمة.
المحور الثانى وهو الذى يختص بنص " الشريعة الأسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع " فيما يتعلق بالدولة وأطر التشريع المستمدة من الشريعة الاسلامية يمكن الحديث عن ثلاث نقاط - لا اظن ان هناك رابع لهم - هناك التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ( الزواج والطلاق والميراث ..الخ ) ، هناك تشريعات خاصة بالمعاملات المالية ( البنوك والربا ..الخ ) وهناك التشريعات الخاصة بعقوبات حالات محددة او ما يعرف بتشريعات الحدود فى الأسلام .
سأبداء من النقطة الثالثة وهى الخاصة بالحدود .. لا أعتقد ان هناك مصرى او كائن بشرى ، يستطيع ان يتقبل عقوبات مثل الجلد او الرجم او قطع اليد فى زمننا هذا ، والحديث عن كونها عقوبات ردع لا تنفيذ .. هو فى حدد ذاته اثبات لعدم واقعيتها فى الوقت الحالى.
النقطة الثانية .. والخاصة بالمعاملات المالية والربا .. من المؤكد أنه لم ولن توجد دولة فى العصر الحديث لا تعتمد على البنوك فى بناء اقتصادها وتحسين حياة افرادها فكلاً منا أفراداً ومؤسسات وشخصيات اعتبارية تتعامل مع البنوك ( دائناً ومديناً ) ، واثقال ضمائر الشعب بربوية تلك المعاملات امر يحتاج الى اعادة نظر .. وتخبط المؤسسات الدينية - التى يرجى فى الدولة العلمانية ان لا تتدخل فى مثل هذه الشئون - لهو دليل على استحالة اقامة نظام اقتصادى دون البنوك ومعاملاتها ، وما محاولات البعض لأسلمة تلك المعاملات الا نوع من التحايل الظاهر الذى لا يخفى على الفطن.
النقطة الأولى والأخيرة .. وهى الشق الخاص بمعاملات الأحوال الشخصية ، الزواج والطلاق و الميراث .. تلك القضايا الرئيسة الثلاث يمكن لقانون مدنى وضعى معالجتها بشكل متكامل يحفظ للأطراف المعنية حقوقها دون غبن او تهاون ، فلا يصح فى هذا العصر الحديث عن رجل يجمع اربع زوجات على ذمته لكونه قادر مادى او حتى غير قادر ففى هذا هدر لحقوق الزوجة التى غالباً ما تكون مرغمة على تقبل مثل هذا الوضع ، وكما ان الزواج عقد بين اثنين يتفقان فيه على بناء اسرة والمحافظة عليها فأن الحق فى الأنفصال - الذى تبيحه الشريعة الاسلامية وترفضه الكنيسة - أمر يجب ان يبقى بين طرفى هذا العقد فى مجال للرب ومن يتحدث بأسم الرب ان يكون طرفاً فيه ، كذلك الميراث الذى يمكن ايضاً الحديث عنه فى اطار قانون مدنى ينظم هذا الشأن .
الحديث عن علمانية الدولة ، هو المعيار الاول لتحقيق مواطنة حقيقية ، يتساوى فيها الأفراد - كل الأفراد - امام القانون فى الحقوق والمسئوليات .. بحيث يصبح القانون - ووحده القانون - هو الحاكم لتعاملات الانسان مع اخيه الأنسان ، وتصبح المؤسسة الدينية فى مكانها الصحيح والملزم كمؤسسة تدعو للبر ومحاسن الأخلاق ، ويبقى رجالاتها فقط رجال دين يشرحون للناس كيف تكون الدعوة للبر وكيف تكون الأخلاق ومحاسنها ، وتمارس الدولة ومؤسساتها ورجالات السياسة شئون ادارة الدولة .. تلك هى العلمانية التى أفهمها والتى أدعو لها.


ليست هناك تعليقات: