2010-06-15

شيزوفرينيا 2



السياسة  - كما جرى العرف على تسميتها - هى فن الممكن ، ولأن هذا " الممكن " ليس بالضرورة ان يكوناً اخلاقياً او هو بالضرورة ليس اخلاقياً ، فقد جرى العرف ايضاً على ان تكون السياسة هى فن الكذب الأنيق فى احسن حالاتها .. او اللعبة القذرة حين يحمى الوطيس ويشتد الطعان . الفرق الأساسى بيننا - نحن المتحدثون باللغة العربية والقاطنون فى ذلك الفراغ الجغرافى المسمى من المحيط الى الخليج .. بما فيها مصرنا العزيزة - وبين سكان الغرب اوربيين كانوا او امريكيين ..اقول ان الفرق فى لعبة السياسة بيننا وبينهم .. ان الجزء القذر من هذه اللعبة يتوقف فى الغرب عند صندوق الانتخابات ، فلكل حزب .. ولكل مرشح ان يمارس  ما يشاء من افعال ضد المرشح الآخر والعكس صحيح .. لكن المؤكد ان هذا كله يتوقف تقريباً فى مرحلة محددة ، واقصد بها مرة اخرى صندوق الانتخابات .. فما ان يبدأ الناخب فى ممارسة حقه الأصيل فى التصويت لهذا او ذاك - متأثراً او غير متأثر - بقذارات اللعبة السياسة .. فأن الكل فى هذه الحالة رهن اشارة الناخب ، فبيده يأتى بهذا .. وبيده يذهب بذاك ،  ويصبح الناخب - فى هذه الحالة - بقلمه وعلامته على البطاقة الانتخابية وتوقيعه على سجل اسماء الناخين وعلى صوته فى صندوق الانتخابات معافاً تماماً من ادران العملية السياسة .. واذا ما حدث لسبب او لآخر ان شابت عملية التصويت وما بعدها شبه التلاعب من اى نوع ، فأن احتمال وقوع كارثه قومية يصبح وشيكاً الى درجة مفزعة .. ولنا ان نتذكر احداث انتخابات الرئاسة الأمريكية فى العام 2000 والتى اتت بالرئيس الأمريكى جورج بوش ، وكيف ان غياب الشفافية فى عمليات فرز الأصوات فى ولاية واحدة كاد ان يشعل ازمة ما بعدها أزمة لولا تدخل الحكماء وتغليب المصلحة العامة .. نتحدث هنا فقط عن غياب شفافية - وهو أمر لو تدركون عظيم - فى دول العالم الأول .. ومن قبيل تحصيل الحاصل التذكير بأن هذا بالطبع لا يحدث فى بلادنا .. وان القذارة لدينا اجمع واشمل وهى فى نسيج العملية السياسية كالخيط من الثوب.
اقول هذا وانا استرجع فى ذهنى تجربتى منذ ايام قلائل حول ممارستى لحقى المدنى والسياسى فى الادلاء بصوتى فى انتخابات التجديد النصفى لمجلس الشورى ، وفى جولة الاعادة تحديداً والتى كانت بين مرشح الحزب الوطنى " حالياً " والمرشح المنافس " المستقل ظاهراً والوطنى قلباً وقالباً " ، فى دائرة مدينة قنا - لجنة 83 " فاطمة الزهراء الثانوية " ، كانت رغبتى فى المشاركة ملحة وفى نيتى امران .. اولهما ان ابطل صوتى " فى نوع من المشاركة السلبية " لعدم اقتناعى بزيد ولا عبيد ، والأمر الثانى ان أتابع مجريات الأمور فى العملية الانتخابية - وهى العادة التى بدأت منذ انتخابات الرئاسة وحتى الآن - ولوهلة كنت متأثراً بكلمات احد قيادات الحزب الحاكم فى محافظتى عن الميلاد الجديد للحزب .. والأصلاح من الداخل .. والوقوف امام قوى الأستبداد الذى يبدأ من المواطن وينتهى بالمواطن .
 أقول لوهلة .. لأنه سرعان ما اكتشفت مدى سذاجتى ..  لم يكن مفاجئاً ولا غريباً تلك اللجان الخالية على عروشها من الناخبين .. ولا الصناديق الشفافة الخالية تقريباً من اصوات الناخبين .. ولا مشهد رؤساء اللجان الفرعية من موظفى الدولة وقد اعتراهم البؤس والفزع والحيرة مما هم مجبرون على عمله.
كان المفاجئ لى حقاً .. والذى لم اصادفه فى كل الانتخابات السابقة ، ان اذهب الى اللجنة قرابة الساعة الخامسة والنصف عصراً .. وبعد العثور على اسمى فى كشوف الناخبين بصعوبة ..لاجد ان هناك من قام - غير مشكور - بالتصويت نيابة عنى ، والتوقيع امامى اسمى الرباعى فى كشوف اللجنة ، الأمر الذى اثار غيظى واحبطنى فى آن .. فقد كنت ادرك ان عمليات " التسويد " او ملئ صناديق الانتخابات تأتى فى مراحل متأخرة من العملية الانتخابية وتحديداً قرابة مواعيد اغلاق صناديق الانتخاب .. اما ان يأتى الأمر قبل ذلك بساعتين على الأقل فقد كان حقاً مفاجئاً لى .
سألت بكل الأدب الممكن .. كيف تم ذلك .. فكانت الأجابات : تشابه فى الأسماء " وهو ما جعلنى اصر ان ابحث عن ذلك الأسم الرباعى المشابه لى وهو بالطبع ما لم اجده  " ، الاجابة الثانية : غلطة .. بالأمكان تداركها بأن تصوت هنا " والمقصود بهنا ان اصوت امام اسم اخر لم يصوت صاحبه " وهو ما لم يكن حتى موضع نقاش منى .. الاجابة الثالثة : " وقد كانت من مندوب الحزب الوطنى المتواجد باللجنة  " اللى حصل .. ايه المطلوب .
امام تلك التناحة غير المفاجئة من مسئول الحزب .. وحيرة رئيس اللجنة " الموظف الحكومى البائس والممتلى قلقاً على قلق " طالبت بأن اسجل بشكل رسمى تلك المخالفة الجسيمة .. وان يكون ذلك بمعرفة اللجنة العامة للأنتخابات وإلا فأنى لن ابرح تلك اللجنة .. وهو الأمر الذى رفضه " مندوب الحزب " جملة وتفصيلاً .. وعلا صوته بالصياح .
ما كان الا ان خرج من غرفة مجاورة ضابط شاب برتبة نقيب .. متثاءباً ومتسائلاً عن تلك الضجة ، اخبره الحضور ببعض مع حدث .. واخبرته بكل ما حدث .. تثاءب مرة اخرى .. وطلب اثبات الشخصية الخاص بى وهو يداعب مسدسه الميرى فى جيرابه الجانبى .. ثم وجه نظره نحو الحضور من اعضاء اللجنة وممثلى الحزب ، وبصوت مسرحى مبالغ فيه صرخ قائلاً : وبعدين .. الكلام ده ميتكررش تانى ، مفهوم . ثم التفت لى ماداً يده باثبات الشخصية .. اتفضل روح ، اجبت .. يافندم انا عايز اثبت حالة ... مال ناحيتى .. ويده تداعب تلقائياً مسدسه الميرى فى جيرابه الجانبى - مرة اخرى - قائلاً وهو يضغط كل حرف من الجملة القصيرة المكررة : ... اتفضل روووح .
تناولت اثبات شخصيتى .. واستدرت خارجاً من الغرفة .. وكلمات صلاح عيسى - عن تجربته فى معتقل سجن القلعة فى ستينات القرن الماضى ترن فى اذنى وهو يقول  " لم .. ولن انسى فى حياتى ضحكات ضابط الشرطة المسئول عن سجن القلعة وهو يرانى معلقاً على العروسة .. ها مش ناوى تبطل شغل سياسة يا عيسى ."
خرجت .. وقد قررت ان لا اكون " عيسى " نبياً كان او مصلحاً.