2009-02-25

محاورة

التالى كانت محاورة عبر البريد الأليكترونى بين مجموعة من الزملاء بدأت من خلال “ فكرة “ طرحها زميل عزيز وأعقبها مجموعة من التعليقات ، الملفت فى الأمر ليس الاختلاف فى الاراء وتباين وجهات النظر – وهو الأمر الطبيعى حسبما أعتقد – لكنه ذلك التدخل ممن يحسب على ادارة العمل فى المواقع العليا فقد رأى ان الأمر تجاوز مفهوم الفكرة والتناقش حولها الى نقد الأشخاص لا الأفكار وهو ما كان لا يجب ان يكون .

جعلنى هذا الأمر أفكر كثيراً حول من يتحدثون عن حرية التعبير ، وحرية النقد ، ومفاهيم الحكم الرشيد فى الحياة قبل العمل . ثم عند اول بادرة خلاف فى الرأى تتبرم الوجوه وتضيق الأنفس بالخلاف ، على أيه حال ذلك مضمون المحاورة :

تلكم كانت فكرة زميلى العزيز :

الزملاء الاعزاء،

هناك فكرة اود ان أشاركها معكم

في حديث دار بيني و بين صديق لي عن اوباما، لفت إنتباهي أكثر لشعار “نعم نستطيع”

فالشعار ينقل قناعة حقيقية لديه في أن الولايات المتحدة داثما لديها الإمكانيات و القدرة على تخطى المشكلاتً و هذه القناعة اعتقد إنها التي ستؤدي للحل لأنها تزيد الثقة في القدرة و تستفز الخيال و الطاقات للوصول إلى الحل و تجعلهم غير قابلين إلا أن تكون الولايات المتحدة قوية

بالمقارنة بالخطاب المصري و الذي أزعم إننا تأثرنا به جميعا، تجد إنه ينقل الإحباط و العجز- هناك أزمة سكانية، موارد محدودة، ثقافة متخلفة، شرق أوسط غير مستقر و أزمة عالمية كاسحة. هذا الخطاب اعتقد إنه قلل من ثقتنا بأنفسنا و بقدرة الشعب المصرى و موارده و طاقاته الذي مازالت تنبض رغم كل الماَسي التي نعيشها

دعونا نكون طموحين في عملنا و في قدرتنا على خلق تنمية حقيقية. دعونا لا نرضى بالقليل و لا نستهين بقدرة الشعب المصري في إنه يمكن ان يصنع الكثير، دعونا لانكون شاكرين على إنجاز محدود نصنعه في قرية او إثنين، دعونا نؤمن إننا نستطيع أن تكون دولة قوية وليس مصيرنا أن نبقى في مصاف الدول النامية

هذا ليس شعارات و لكنه شئ يبدأ بقناعة حقيقية إن فقدت لن نتقدم خطوة

كان ردى كالتالى :

زميلى العزيز

كلام رقيق وعاطفى ولكن ... ليس فقط من باب الاحباط المقارنة فى حد ذاتها بين ما يقوله اوباما او ما يفعله وما نقولوه هنا لأنفسنا وما نفعله ، " نعم نستطيع " تقول انه شعار ينقل قناعة حقيقة فى .... ألخ ايضاً كلام طيب ولكنه ببساطة فى بيئة مختلفة وثقافة مختلفة .. أعلم انك تدرك ذلك تماماً وتعيه ، ولكنى فقط استغرب تجاهلك لحقائق بسيطة هى ان الولايات المتحدة الأمريكية دولة حقيقة بها مؤسسات حقيقية ، بها نظم فى كل المستويات تسمح بأن " يستطيع " من يريد فعل ما يشاء ، اما عند الحديث عن الدولة كرتونية المؤسسات فيبدو الأمر وكأنه تجاهل متعمد للحقائق وتفاءل غير مبرر مبنى على أسس غير علمية وغير عملية .

اخيرا .. تقول دعنا نكن طموحين وألا نرضى بالقليل .. الخ ، زميلى العزيز البشر فى كل مكان هم نسيج تأتى خيوطه من أطراف متعددة ومؤسسات مختلفة ،بداية من الأسرة كمؤسسة اولية ونهاية بمؤسسة الدولة ، أعد النظر فى هذه المؤسسات ثم صف لى بعد ذلك شكل النسيج الناتج من خيوط تأتى من مثل هذه المؤسسات بشكلها الحالى والغير متوقع حدوث اى تغييرات حقيقية فيها فى الأمد القريب .

هذا ليس تشاؤما او احباطاً لكنه نظرة تأتى من فرد يعيش كملايين المصريين فى الدرجات الدنيا من سلم الصعود الاجتماعى فى مصر هى نظرة واقعية وازعم انها حقيقية يراها الكثير من الشباب المصرى ، أما نبرة التفاؤل وأكرر هنا - غير المبرر - التى أرها بين سطورك فربما مصدرها شحن جرعة من التفاؤل فى عروق المشروع وشرايينه ، او ربما هى - وهذا ما اخشاه - نظرة تأتى من القمة بحيث باتت لا ترى القاع وما يجرى فيه او تراه لكنها تعتقد انها خطؤه لسبب او لاخر.

ختاماً ..

أنهى بكلمة باتت - ليس لها محل من الاعراب فى ايامنا هذه - وهى ان الأختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية ، لك منى كل الود والتقدير

وكان رد الزميل العزيز

الزميل العزيز

بداية أنا غير مقنع إنها وجهة نظر لا ترى القاع، و أخشى أن يكون القاع و الانغماس في اليوم و الحاضر يكون السبب في بقاءه و استمراره

شعار الحركة الطلابية في الثلاثينات هو متى الخيال يصل الى الحكم. الذي يستفز الخيال و التقدم هو الإيمان بالقدرة و ما يمكن أن يكون و ليس الوضع الحالي

و بالعكس أنا لا ألوم الشعب على الإطلاق بل وضحت إنه ضحية الخطاب الحكومي المصري الذي لا يظهر إلا العجز و لا يربطنا بتاريخ مليء بالإنجازات و حاضر اكرر رغم كل النهب و السرقة مازال ينبض، هو غير حي و لكن ينبض

أدعوك للخروج من إطار واحد للتفكير و أن لا تراها إنها نظرة بعيدة عن الواقع بل نظرة تحاول أن لا تقف فقط على الواقع بل نظرة ترى قدرة حقيقية أحجمها هذا اليأس و النظرة فقط الى اليوم

و دعنا نتناقش في ذلك و لا نقصرها على الإيميل

لاني اعتقد أن الإختلاف يثرى الفكر و ينشطه

شكراً

وردى ما قبل الأخير كان :

زميلى العزيز

ربما يكون من غير المناسب فى خضم هذا الزخم الهائل من الأنشطة والتقارير والبيانات المطلوبة ان ندور فى فلك تلك المداولات اللامنتهية ، لكننى مع ذلك اجدها فرصة لألتقاط الأنفاس والخروج من دائرة التفاصيل اليومية الى رياضة ذهنية نحتاجها بين الحين والآخر ، عسى ان يكون فى ثناياها علاجاً - لشخصى على الأقل - من مشكلة النظارة المعتمة التى لا استطيع أنتزاعها من فوق عينيى .

زميلى العزيز .. انه ليس انغماساً ارادياً فى اليوم والحاضر وليس طواعية او اختياراً ان تسكن القمة او  القاع ، انه الواقع الذى يعيشنا ولا نعيشه ، انه اليوم والحاضر الذى يجبرنا على " مطاطاة " رؤسنا قسراً والنظر تحت أقدامنا التى ربما حتى لا نراها من قتامة الصورة وصعوبة الرؤية ، تحدثنى عن الايمان الذى يستفز الخيال والتقدم " الأيمان بالقدرة " ، زميلى العزيز الأيمان يحتاج الى رسل يبعثونه فى نفوس البشر .. رسل تحمل نقاء المسيح وعزيمة محمد ، رسل ازعم انهم وان كانوا اليوم من البشر فى صورة مصلحين وثوار لكنهم حملوا الصفتين .. النقاء والعزيمة ، وهو ما أكاد اجزم بأن مثل هذا النموذج فى بلادنا قد غاب او غيب بفعل فساد لوث كل نقاء ممكن ، وقهر حطم كل أولوا العزم ، وبتنا اليوم كما تقول زميلتنا الرقيقة مى " أقنعة " نرتدى منها المناسب فى الظرف المناسب .

من سبارتكوس ووليم والاس والحسين بن على الى لوثركنج وغاندى ومانديلا تبقى صورة النقاء والعزيمة وصورة النبى المصلح موجودة لكنها تحتاج الى ثمن يدفع - وقد يكون باهظاً - فى الكثير من الحالات ، ونظرة واحدة على الاسماء السابقة ستعرف اى ثمن دفع من أجل " الأيمان " واستفزاز الخيال. هذا ان كنت تتحدث عن التغيير بشكله الأوسع اما ما دون ذلك فحسبنا ان نسعى وليس علينا ادراك النجاح.

ثم الرد :

الزميل …….

نعم إنه ليس انغماسا إرادياً و هذا أوضحته أكثر من مرة، و هنا يأتي دورنا لمن سمحت له الظروف ان يرفع رأسه و لو قليلأ بأن يوضح أن ما نحن عليه ليس مصير هذه الدولة و إنها تمتلك موارد مهدرة و قدرة غير مستغلة مثل مجموعات الشباب في مجتمعاتنا، إن الوضع الحالي عزل مصر عن تاريخ يؤكد إننا نملك الكثير. و حتى إن استبعدت التاريخ، ادعوك مثلاً أن تلقي نظرة على معهد الكلى في المنصورة للدكتور غنيم الذي هو من أفضل المعاهد عالميا

هذا الإيمان لا يحتاج إي أنبياء بل نظرة مختلفة و حقيقية عن مواردنا و تاريخنا

عزيزي قناوي هذا اليأس ليس نتاج واقع حقيقي فقط لكن إعلام و نظام لا ينقل غير هذه الصورة المحبطة التي قتلت الخيال و أنستنا ما يمكن أن يكون و هنا يأتي دورنا و مسؤوليتنا بدلاً من إنتاج نفس الخطاب الذي لن يتقدم بنا خطوة

زي مهنشوف نفسنا زي مهنفضل، و هذه الدولة لا تستحق هذه النظرة ، هذه الدولة أنتجت قاسم أمين ، محمد عبده، ام كلثوم ، محمد عبد الوهاب، نجيب محفوظ، صلاح ابو سيف، عاطف الطيب، يوسف شاهين

هذه الدولة بها 80 مليون نسمة و بحرين و نيل عظيم و قناة السويس و تاريخ عظيم من أيام الفراعنة

فكر مرة اخرى

الى هنا وانتهت تقريباً سعة صدر الأدارة العليا وبدأت ترسل اشارات بالكف عن هذا الجدال وان الأمر جاوز الحوار الى التجريح وهو ما جعلنى اتوقف عن الأستمرار – ليس خوفاً او رهبة – وأنما فقط احساساً بصدق ما أزعم وعليه لم أفكر فى ارسال رسالتى الأخيرة التى كنت قد انهيتها وها هى :

فكرة اخرى :

زملائى الاعزاء .. هذه مداخلتى الأخيرة فى هذا الموضوع ، فيبدو ان صعيديتى تغلبنى احياناً – او دائماً – بحيث ابدو جافاً حين اعرض افكارى او اتحمس لوجه نظر وهو ما ليس من طباعى وان بدا عكس ذلك . لذا فأن مداخلتى الأخيرة تحمل نقطتين أولهما اعتذارى عن طريقتى الصعيدية فى عرض فكرتى مع التأكيد على احترام كل الزملاء ووجهات النظر التى طرحت .

اما النقطة الثانية – مع تأكيدى على عدم شخصنة الأفكار – فتأتى من خلال طرح فكرة أخرى اكمل بها فكرة زميلى العزيز شهير وهى فكرة ليست بالجديدة على الاطلاق ولكنها - قد - تحدث فرقاً او تأثيراُ فى حياتنا او فى رؤيتنا للأمور ، والمقصود هنا نحن العاملون فى مجال التنمية .

فى عام 1959 وفى ظل واحدة من اسخن الحقب فى التاريخ الأمريكى على كل الأصعدة داخلياً وخارجياً ، وقبل خطاب مارتن لوثر كنج الشهير امام النصب التذكارى لأبراهام لينكولين فى عام 1961 ، خاض صحفى امريكى تجربة أزعم انها فريدة من نوعها - ربما وقتها تحديداً - حيث الأزمة مستعرة بين دعاة الحقوق المدنية فى امريكا والمطالبين بحقوق الأقليات من جهة وبين الأغلبية والحكومة القانعة بالوضع القائم من جهة اخرى.

قام هذا الصحفى الأبيض بمعايشة كاملة لحياة السود فى امريكا لمدة 6 أسابيع متواصلة وجال فيها بين مدن الجنوب الأمريكى الأكثر تعصباً وتمييزاً ضد السود ، الأهم فى تلك التجربة هى المعايشة الكاملة لا المنقوصة  والشعور بأحساس من يعانى من المهمشين والأقليات وليس فقط " ادراك " ذلك ، استدعى هذا الأمر ان يقوم بتغيير لون جلده الى اللون الاسود من خلال جلسات طويلة تعرض فيها لاشعة وعقاقير تحت اشراف طبيب وتغييرات بسيطة فى المظهر واللكنة حولته الى امريكى أسود ليعيش بعدها الاسابيع الستة فى تلك الهيئة ، ثم يحكى بعد ذلك تجربته وما تعرض له فى كتابه الأشهر " أسود مثلى Black like me  " انه الصحفى الأمريكى الأبيض  - جون هيوارد جريفين  - الذى عاش وأحس وعانى ما تعانيه الأقليات والمهمشين ولم يكتفى بالأدراك والمعرفة فالفرق شاسع وطريقة التدخل ما بين هذا وذاك تختلف – فيما أزعم – اختلافاً بيناً.

أعود لفكرتى وأقول دعونا نطبق تجربة جريفين ليس لمدة اسابيع ولكن لأيام .. دعونا نجرب ان نعيش كما يعيش غالبية الشباب المصرى ، دعونا نجرب ان نقضى شهراً واحداً من حياتنا كما يقضى الشباب المصرى حياته ، ان نترك سياراتنا المكيفة ونركب مواصلات عامة فى انتقالاتنا اليومية .. ان نسافر كما يسافر غالبية من نعمل معهم " قطار درجة تانية "- وليكن مكيفاً رحمة بنا - تعالوا نجرب ان نعيش شهراً واحداً بما لايزيد عن 500 جنيه وهو أقصى راتب يحلم به شاب مصرى فى فرصة عمل وننحى جانباً دخولنا الشهرية ، تعالوا نجرب ان نأكل الخبز المدعوم ونقف فى طابور العيش مثل ألوف من المواطنين ، تعالوا نجرب ان نشترى فى حدود هذا الدخل قميصاً او بنطلوناً ثم نكمل باقى الشهر بالمبلغ المتبقى ، تعالوا نفعل ما فعله جون هيوارد جريفين ثم نحكى تجربتنا ... تجربة " Youth like me " ، ساعتها نستطيع ان نشعر بمعنى تلك النظرات التى نراها في عيون الشباب وان لم تنطق بها الألسن ، ساعتها نستطيع ان نقول لهم بثقة نحن نعلم وندرك والأهم نشعر بما تشعرون فنحن لم ننفصل عن واقعنا ولا عما يعيشه مجتمعنا .. وأننا معكم نستطيع ان نطلق عالياً ... لدى حلم .. ونعم نستطيع.

أعلم انها دعوة ساذجة غير قابلة للتطبيق فى واقعنا المصرى لكنها ربما تكون دعوة للتأمل او التفكير لا تحمل حقداً طبقياً ولا تحمل اكثر مما تقصده الكلمات.

مرة أخرى .. تقديرى واحترامى لكل زملائى الاعزاء ، وسامحونى اذا ما كنت عن غير قصد شردت عن هدفى الحقيقى.

الى هنا انتهت المحاورة وليزداد شكى فى جدوى كل هذا العبث الذى نعيشه ، الحديث عن الحرية وشعور يملؤنى بأننا حفنة عبيد .. الحديث عن الغد على حين ان اليوم يبدو لا آخر له .. الحديث عن الحكم الرشيد فحين يبدو الكل من حولى – ولا أبرئ نفسى – خصيان وعبيد وقيان وجوارى فى قصر الرشيد ، من المحيط الى الخليج .

ليست هناك تعليقات: