2008-04-29

واشنطن (1) Washigton

البيت الابيض
النصب التذكارى لواشنطن
صورة اخرى للنصب التذكارى وخلفه النصب التذكارى لابراهام لينكولن
مجموعة متاحف سميزونين Smithonion

مدينة واشنطن - العاصمة

السيدة العجوز كما احببنا ان نطلق عليها خلال الزيارة ، انها المدينة الامريكية الاوربية الطابع – وعلى الرغم من اننى لم اغادر مصر قبل تلك الزيارة – الا انها الكلمة الى سمعتها من مجموعة الشباب الاوربيين الذين شاركونا الزيارة وكانوا ثلاث فقط من دول ما كان يطلق عليها دول اوروبا الشرقية ، صربيا – الشيك – بلغاريا . وربما حتى من المقارنة بالمشاهدة من خلال زياراتنا لباقى المدن الامريكية الاخرى.
بالفعل بدت واشنطن كسيدة عجوز راقية لديها من الرقى والكلاسيكية ما يجعل امثالى من عاشقى السكون والهدوء يقعون فى غرامها منذ النظرة الاولى ، مدينة هادئة تبدو مبانيها المبنية بالحجارة والآجر الاحمر كأنها مدينة من مدن القرن الثامن عشر وهو بالفعل امر متعمد حاول مؤسسو المدينة ومن تلاهم المحافظة عليها بنفس الطابع – الشوارع الواسعة النظيفة ، المبانى متوسطة الارتفاع ، كل شئ مغسول بفعل امطار خفيفة تتساقط يومياً ، الشمس التى تظهر وتختفى على استحياء خلف مجموعة من السحب المتناثرة فى سماء شديدة الزرقة تجعل من صباح ايام واشنطن اياماً مميزة لساكنى المناطق شديدة الحرارة من امثالى .
لم ألحظ الا حين عودتى لمصر اننى فى اشنطن قد استهلكت 5 اسطوانات فيديو لم افعل فيها اكثر من التجوال وتصوير واشنطن : المبانى والشوارع ، الامطار والسماء والسحب ، اشارات المرور ومحطات المترو ، المحال والمطاعم والبارات . ربما تكون صدمة المرة الاولى لمن لم يسبق له السفر الى الخارج من قبل وربما كانت صدمة المقارنة بين قاهرة المعز وواشنطن العاصمة.
نصف مليون نسمة فقط يسكنون مدينة واشنطن التى يمتنع فيها تماماً بناء الابراج او ناطحات السحاب او اى نوع من المبانى يعلو ارتفاعه عن مبنى النصب التذكارى لمدينة واشنطن ، وهو لسخرية القدر المبنى البالغ من الارتفاع تقريباً 166 متراً على شكل مسلة مصرية يتوسط المسافة ما بين مبنى الكونجرس والنصب التذكارى لابراهام لينكولين الرئيس الامريكى الأشهر ، والعجيب هنا اننى لسنوات طوال كنت مقتنعاً – لاسباب لا اعلم مصدرها – بأنها مسلتنا المصرية التى وصلت بشكل او بآخر الى الولايات المتحدة ، وهو الامر الذى علمت بأنه ليس صحيحاً بنظرة واحدة للمبنى الرخامى الذى لم يأخذ من المسلة المصرية الا شكلها الهندسى فقط.
واشنطن العاصمة ( كلمة العاصمة هنا والتى تلاصق واشنطن ليس غرضها اعادة التذكرة بأنها العاصمة لكنها وسيلة للتفرقة بين مدينة واشنطن الفيدرالية والتى تسمى " واشنطن دى سى Washington D C " وهى العاصمة والحروف هنا ترمز الى كلمة District of Colombia او مقاطعة كولومبيا نسبة الى كريستوفر كولومبس الرحالة البرتغالى الذى اكتشف القارة الامريكية – اما واشنطن الاخرى فهى ولاية واشنطن التى تبعد عن مدينة واشنطن حوالى 5الالاف كيلومتر فى اقصى الشمال الغربى وهى ولاية ضمن الاتحاد الامريكى تحمل نفس الاسم تخليداً لذكرى هذا الرجل جورج واشنطن اول رئيس امريكى للولايات المتحدة المستقلة حديثاً عن الامبراطورية البريطانية والتى تشتهر بها مدينة سياتل مقر امبراطورية مايكروسوف وثانى المدن الامريكية التى توجهنا اليها بعد ذلك.
هى مدينة الادارة الامريكية وليس فقط عاصمة دولة الولايات المتحدة الامريكية ، المدينة الفدرالية التى يختلف النظام فيها عن كل المدن والولايات الامريكية الاخرى ـ فلم تشارك واشنطن مثل غيرها من المدن الامريكية فى الولايات المختلفة فى الانتخابات الرئاسية الا منذ اربعون عاماً لا اكثر قبلها كان يمتنع على ساكنى واشنطن العاصمة المشاركة تماماً فى الانتخابات الامريكية بل ان ممثليها فى المجالس النيابية والتشريعية كانوا بلا اصوات تحتسب فى تلك البرلمانات .. انها المدينة ذات الطابع الخاص .
ولأنها مدينة الادارة الامريكية فأن كل من يعيش بتلك المدينة هو بصورة او بأخرى مرتبط بأمور تخص الادارة الامريكية ، فالمنازل كلاسيكية راقية تحوطها الاسوار الحديدية المغطاة بساتر من النباتات الخضراء – الشوارع واسعة نظيفة تقف منبهراً من دقة اشارات المرور واتباع البشر السائرين والراكبين لتلك الاشارات الالكترونية ، محالها التجارية كلاسيكية الطابع فهنا العديد من محال التحف والانتيكات ربما اكثر من باقى المدن الامريكية ، المكتبات ومحال بيع الكتب التى تبيع الكتب المطبوعة بالعديد من اللغات ـ وحتى المطاعم هنا هى اشبة بأماكن تجمع لجاليات اصحاب المطعم – فالمطعم اليابانى والصينى والباكسانى والمكسيكى والهندى اغلبها مراكز لقاء لتلك القوميات وفيها اجواء تلك الدول .
أحببت واشنطن منذ اللحظة الاولى واحببت التجوال فى مبانيها ونصبها التذكارية ، فهنا نصب ابراهام لينكولن محرر العبيد وقائد امريكا الموحدة بعد الحرب الاهلية والرئيس الاشهر فى التاريخ الامريكى .
وهناك النصب التذكارى لمدينة اشنطن " على شكل المسلة المصرية " مذكراً المواطنين والاجانب بأسم الرئيس الامريكى جورج واشنطن اول رئيس للولايات الامريكية المتحدة واحد الاباء الاوائل المؤسسين للاتحاد ، واذا كان ابراهام لينكولن هو الرئيس الاشهر فان جورج واشنطن هو الرئيس الخالد فى تاريخ امريكا ، هو نبى امريكا وايقونتها الاغلى.
النصب التذكارى للحرب الكورية ، وللجنود الامريكيين الذين قتلوا فى الحروب المختلفة يتصدرها لوحة من الرخام الاسود كتب عليها بخط عريض " الحرية .. ليست مجانية Freedom is not .. Free " مذكرة الامريكيين قبل غيرهم ثمن ما دفعته امريكا نظير بنائها وبقائها الدولة الاقوى والاغنى الان .
فى واشنطن مجموعة من المتاحف المجانية الدخول لكل الزوار وتسمى متاحف سميزونيون Smithsonian نسبة الى مؤسسها المهاجر الامريكى الفقير سميث الذى تحول الى ملياردير امريكى ومات تاركاً ثروته كوقف يصرف منه على معهد علمى باسمه ومجموعة المتاحف تلك شارطاً ان تكون الزيارة الى تلك المتاحف مجانية لكل من يريد – متحف فى الفن وتاريخ الفن – متحف الامريكيين الاصليين – متحف الفضاء والطيران – متحف التاريخ الطبيعى.
تعجبت حين تجولت فى تلك المتاحف ، فعلى الرغم من رقيها واناقتها الا انها فقيرة المحتوى الى حد كبير – فبعض اللوحات فى متحف الفن ـ وقطع متناثرة من بعض المتعلقات للهنود الحمر فى متحف الامريكيين الاصليين – وبعض الحفريات ونماذج مجسدة لبعض الحيوانات فى متحف التاريخ الطبيعى هى كل ما استطاع الامريكيون عرضه فى متاحفهم ـ فدولة مثل الولايات المتحدة الامريكية بتاريخ لا يتجاوز مئات الاعوام من الصعب عليها بناء متحف ثرى بمحتواه اللهم الا متحف الطيران والفضاء فقد ألقى الاميركيون بثقلهم فى هذا المتحف .. ربما شعوراً بالنقص تجاه التاريخ المبتسر لامريكا ـ فصنعت متحفاً عما فعلته منذ بضع عشرات من الاعوام وغيرت به وجه العالم – ففى متحف الفضاء وتاريخ الطيران يمكنك مشاهدة كل شئ عن تاريخ الطيران منذ الاخوان رايت بامريكا وانتهاء برحلات ابوللو وزيارة القمر واحدث انواع مكوكات الفضاء والاقمار الصناعية ، وكأن امريكا تقدم فى هذا المتحف افضل ما فيها ولو لم يكن تاريخاً يحسب بالالاف من السنين .
اقول تعجبت – وربما تألمت قليلاً – حين قارنت فى نفسى بين تلك المتاحف الفخمة هزيلة المحتوى وبين بلادى غنية التاريخ فقيرة الحاضر والمستقبل وما تفعله بتاريخنا وما تبقى من تاريخنا.
تضم واشنطن ثلاث من اكبر الجامعات فى امريكا جورج ماديسون ، جورج واشنطن ، الجامعة الامريكية " التى يوجد احد فروعها العديدة فى مصر ".. وحين اجتزنا بوابة جامعة جورج واشنطن فى مدينة واشنطن العاصمة ادركت لماذا اطلق الامام محمد عبده مقولته المشهورة حين زار باريس للمرة الاولى – لم تكن الزيارة الى الجامعة طويلة لكنها كافية كى ترى شباباً تعلم ممارسة الخدمة العامة تجاه الاخرين منذ الصغر لذا لم يجد صعوبة بعد ذلك لان يكون متطوعاً نشطاً فى العديد من الانشطة والبرامج الخدمية ، كافياً لا تدرك ان قانون " لا استثناء " هو المحرك الاول والاخير والحافز الاعظم لهولاء الشباب الذى يعلم انه بعلمه قادر حتى على ادارة تلك البلاد فى يوم من الايام دون النظر الى خلفيته الاجتماعية وغيره – مع تسليمنا المطلق بوجود مشكلات عصية تحت السطح – كافياً ايضاً لك تدرك انك امام شباب يتحدث بمنتهى الحرية غير مرعوب من اجهزة امن ربما ارسلته الى ما يعرف ب " ورا الشمس ".
احببت واشنطن منذ اللحظة الاولى كما اننى اعجبت بالنظام الامريكى منذ اللحظة الاولى – تحب امريكا او تكرهها – تلك ليست المشكلة ، لكنك بقدر بسيط من الموضوعية والصدق مع النفس ستعلم تماماً سبب هذا الاعجاب.

يقول الامام محمد عبده فى مقولته المشهورة " هناك فرقاً شاسعاً بيننا وبينهم .. فقد رأيت فى بلادهم اسلاماً بلا مسلمين وفى بلادنا مسلمين بلا اسلام "
اتفق فقط مع النصف الاول من الجملة .

2008-04-25

توطئة




صور لمدينة واشنطن العاصمة الامريكية



احنا عايشين فى كدبة كبيرة ومصدقينها ، ودور الحكومة الوحيد انها تراقب اننا مصدقين الكدبة دى .

خالد الخميسى على لسان سائق تاكسى فى عمله الرائع " تاكسى "



لا اعرف من اين تكون البداية هل من تلك اللحظة التى دخلت فيها الى السفارة الامريكية فى القاهرة فى مقابلة التأشيرة والتى بدأت قبلها مجموعة من الاتصالات مع مكتب الشئون الثقافية بالسفارة ، ام البداية تكون مع لحظة التوجه الى مطار القاهرة الدولى احمل مع جواز السفر تأشيرة لمدة شهرين تقريباً والخطوط العريضة للبرنامج خلال الاسابيع الثلاثة التالية وهى المرة الاولى لى خارج مصر على الاطلاق .على ايه حال بدأت الرحلة ، لم اشعر بالقلق على الاطلاق فانا لست مهاجراً او مغامراً بطبعى ، كما ان الزيارة مخطط لها بمنتهى الدقة ، بل ان حتى مسئولى مكتب الشئون الثقافية بالسفارة الامريكية لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة الا واحصوها من اجرة التاكسى الى المطار وانتهاء بنوع كارت التليفون الذى يمكن شراؤه فى الولايات المختلفة .
كان من حسن الطالع ان تجلس بجانبى فى الطريق من القاهرة الى فرانكفورت سيدة امريكية مسنة فى السابعة والستين من عمرها كما ذكرت لى ، وفى دقائق معدودة وعلى غير عادتى فى السفر تجاذبنا اطراف الحديث ، كانت لطيفة ومرحة وعلى الرغم من انها لم تتوقف عن الكلام قرابة الاربع ساعات التالية ، الا اننى كنت سعيداً بالتعرف عليها ، فقد حكت عن زياراتها المتتالية الى مصر وكيف انها تحب هذا البلد على الرغم من مشاكله العديدة ، كانت صدفة سعيدة التعرف على سيدة تعيش الحياة الامريكية بعيداً عن الرسميات والدبلوماسية انتهى لقاءنا بتبادل عنواين البريد الالكترونى على امل الاتصال بعد ذلك .

من اصعب الاشياء على الاطلاق ان تكتب عن زيارة قصيرة الى بلد يعد الدولة الاعظم الآن ، زيارة هدفها الاول والاخير خلق حالة انبهار بهذه الدولة وان تكون بنهاية هذه الزيارة سفيراً فوق العادة لهذه الدولة واقصد بالطبع الولايات المتحدة الامريكية .
ذهبت وانا معبأ تماماً بأننى سأكون موضوعياً ، اتأمل واراقب والا احكم على الامور مطلقاً لاسيما وانها زيارة تهدف اولا واخيراً الى التعرف على الوجه الصالح لامريكا.
واعترف بأننى فشلت فى ذلك منذ اللحظة الاولى ، فما هى الا ايام قلائل حتى وجدتنى فيم يشبه الانبهار او قل الصدمة ان شئت الدقة ، وجدتنى – رغماً عن ارادتى- فى موضع المقارن لا المراقب ، فى موضع الناقد لا المتأمل .. وكان الاحساس الوحيد المسيطر على هو مزيج من الانبهار والحسرة فى آن واحد ، انبهار ليس بنمط الحياة الامريكية ولا اضوائها لكنه انبهار بقدرة هذا البلد على ضبط ايقاع العلاقة بين الحكومة والشعب ، انبهار سببه الاساسى كيفية ووسائل معالجة المشكلات المختلفة بهذا البلد .
من المؤكد ان الولايات المتحدة ليست جنة الله فى الارض ، ومن المؤكد ايضاً انها مثلها مثل كل دول العالم بها العديد من المشكلات والتعقيدات يبقى فقط ان هناك حالة حياة حقيقة تملأ اطراف الدولة ( مواطنين وحكومة ) تجعلها قادرة على ايجاد الحلول والخطو نحو المستقبل .
اعترف ان التدوينات التالية لن تكون موضوعية و لن تكون صادرة من شخص يحمل قدراً كافياً من الثقة فى وطنه ومن فيه ، انها انطباعات واراء ستبدو فى كثير من الاحيان متحاملة على ما فى اوطاننا تحامل قد يصل فى بعض الاحيان الى حد القسوة ، لكنها قسوة منبعها الحسرة على حالنا وغيرة حقيقة يتمنى صاحبها ان يرى ما فى بلاد العم سام – جانبه الايجابى وهو اكثر كثيراً مما نتصور– امراً قابلاً للتطبيق فى بلادنا وجزء من ثقافتنا .