2008-11-05








"إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
مارتن لوثر كنج
خمس وأربعون عاماً فقط .. مرت منذ اطلق داعية حقوق الأنسان القس الأمريكى الأفريقى الاصل مارتن لوثر كنج خطابه الأشهر والأروع فى تاريخ النضال الأنسانى" I have a dream أننى أحلم " وكانت عباراته البليغة تحمل احلاماً هى اقرب للنبؤات بشر بها ذلك القس الذى دخل تاريخ امريكا والعالم .. فبات يوم ميلاده فى الثالث من شهر يناير من كل عام عطلة رسمية فى الولايات المتحدة .. وكان ولا يزال يوم اغتياله وصمة فى جبين أمة .. هى اليوم رمز حقيقى لقيم الحرية والديموقراطية ولو كره الكارهون ، أطلق الرجل فى خطابه الأروع عبارات حملت مرارات سنوات طوال من القهر عاشها الامريكيون الافارقة .. لكنها كانت مفعمة بالأمل والاصرارعلى تحقيق الحلم .. وهو ما تحقق اليوم .
اليوم الرابع من نوفمبر 2008 تحققت احلام - وربما نبؤات - مارتن لوثر كنج ، ليكتسح اول مرشح اسود للانتخابات الامريكية سباق الانتخابات الذى بدأ منذ عامين تقريباً محققاً معدلات ونسب هى الأعلى فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات طوال طاوياً لصفحة من تاريخ البشرية وليس الأمة الأمريكية فقط ومفتتحاً صفحة أخرى يحلم معه الملايين من البشر فى كل انحاء العالم ان تكون صفحة يرسم فيها التاريخ صوراً مشرقة بعد ان باتت صفحات التاريخ تتراً من صور مفجعة ومؤلمة.
اكتسح باراك اوباما سباق الانتخابات الامريكية فاتحاً سيلاً لن يتوقف من التكهنات والتحليلات والاستطلاعات عن السؤال الأصعب الآن فى امريكا وفى العالم اجمع .. ما الذى سيحدث الآن ؟

اول رئيس أسود للولايات المتحدة الامريكية فى تاريخهاً .. حدث سيتوقف التاريخ امامه طويلاً .

اول رئيس تختلط فيه الاعراق والدماء والقوميات .. والأديان أمر سيذكره التاريخ لتلك الدولة الناشئة التى لايزيد عمرها عن 220 عاماً .. لكنها حققت للبشرية ما لم تحققه دولاً وأمم تتفاخر بآلاف السنين من الحضارة والشطارة.

اول رئيس يكون التغيير والأمل هو شعار حملته الانتخابية التى خاضها بضراوة يحسد عليها.

اول رئيس يستطيع ان يقنع الناخب الامريكى بأن البلاد بحاجة الى رجل مثله كيف تنهض من كبوتها وعثرتها.

اول رئيس تتطلع اليه امم وشعوب من كل حدب وصوب وترقص فرحاً حين أعلنت النتائج بأكتساحه للسباق نحو البيت الأبيض.

هناك رجال يصنعهم التاريخ ، كان من الممكن ان يكونوا نكرات لولا ان ساقتهم الأقدار او الصدفة البحتة او المغامرة تحت أعينه فاضطراسفاً - ونحن معه - ان يدخلهم سجلاته فيصيروا على غير رغبه منا اومنه ، رجالاً فى سجلات التاريخ.

وهناك رجال يصنعون التاريخ .. فيطوون صفحات ويكتبون أخرى .. يغيرون تاريخ البشرية وحياة الأمم .. مفكرين وسياسيين .. رؤساء وملوك .. قواد جيوش ومناضلين.

أزعم - اوربما أحلم - ان يكون باراك اوباما .. بتلك التركيبية العجيبة والجذور المتداخلة رمزاً للتغيير كما يبشر بنفسه ..
رمزاً يحرك الشعوب الذليلة .. الغارقة فى بحور الدروشة والهلوسة .. وتظن انها فى ملكوت الأله .
رمزاً يزرع بذور التغيير فى أمم فاحت من كل جوانبها رائحة العفونة والعطن .. وتظن انها خير امة اخرجت للناس.
رمزاً يعطى قبلة الحياة لشعوب وأمم .. فاضت من اجسادها روح الكرامة والشرف .. عله ينقذها فى الرمق الأخير.


" لو لم أكن مصرياً لوددت ان اكون مصرياً " .. أشك - اليوم - كثيراً فى اقتناعى بهذه العبارة.

2008-07-04

المسيرى .. وداعاً


لازالت امواج الشك تجتاحنى .. وبدأت تقريباً أفقد أيمانى بكل المسلمات التى عبئت بها عقولنا وصرت مهموماً أكثر من اللازم بجناحى الاستبداد فى بلادى .. السياسة والدين ، تجتذبنى مقولات لفلاسفة ومفكرين وأظل ساعات - بلا مبالغة - فى التفكير فيها .. لكن النتيجة دائماً واحدة .. ايمان بلا يقين .. وشك بلا حدود.


"إن الايمان لم يولد داخلي إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة ولذا فانه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الانسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية".

صدفة .. وقعت على تلك المقولة المقنعة للمفكر الرائع عبدالوهاب المسيرى وأنا أبحث عن تأكيد لخبر وفاته .. اليوم 3 يوليو 2008 ليرحل فى هذا العام اثنان من صانعى حلم التغيير فى بلادى .. مجدى مهنا فى بدايات العام ، وعبدالوهاب المسيرى فى منتصفه لتبقى كل الوجوه الكريهه جاثمة على أنفاس الوطن ... وكأن ملك الموت قد عميت عيناه عن رؤيه من يستحق الموت .

2008-06-13

لماذا انا لست مؤمناً ؟

كلمة توقفت امامها طويلاً للفيلسوف الانجليزى برتراند راسل .. سأكتبها هنا كما هى ولن اضيف عليها اى تعليق سوى اننى قد ترجمتها على عجل فلو ان هناك اى خطأ من اى نوع فى الجملة فعليكم العودة للنص الانجليزى نفسه .


الخوف .. أساس الدين


الدين يقوم - على ما اعتقد - في المقام الأول وبشكل رئيسي على الخوف . انه جزئياً الرهبة من المجهول ، وجزئياً كما سبق ان ذكرت الرغبة فى ان تشعر بذلك الشعور الذى يمنحه اياك بأن هنالك أخ أكبر هو الذى سيقف الى جانبك دوماً فى كل مشاكلك ومنازعاتك .

أنه الخوف .. الذى هو أساس كل شئ ، الخوف من الغموض .. الخوف من الهزيمة.. الخوف من الموت . الخوف الذى هو بمثابة اب للبطش ولهذا فأنه لا عجب اذا ما كان الدين والبطش يمضيان دوماً يداً بيد فالخوف هو اساس وجوهر الحالتين .

ونحن فى هذا العالم يمكن ان نبدأ الآن قليلاً فى فهم الأمور ، والقليل من السيطرة عليها بفضل العلم ، والذى عبر فى طريقه خطوة بعد خطوه ضد الدين وضد المؤسسات الدينية وضد معارضة كل المفاهيم القديمة ، وحده يستطيع العلم ان يجعلنا نتغلب على هذا الخوف الجبان الذى عاش فيه الجنس البشرى لأجيال عديدة . يستطيع العلم ان يدلنا وأعتقد ان قلوبنا ايضاً قادرة على تعليمنا ، ولا مجال بعدها للبحث حولنا عن دعم وهمى او عن حلفاء لنا فى السماء . بل التطلع الى الجهود التي نبذلها هنا بقربنا لجعل هذا العالم مكانا مناسبا للعيش فيه بدلاً من تلك الامكنة التى وعدتنا بها معابد الدين طوال القرون الماضية .


Fear, The Foundation Of Religion


Religion is based, I think, primarily and mainly upon fear. It is partly the terror of the unknown and partly, as I have said, the wish to feel that you have a kind of elder brother who will stand by you in all your troubles and disputes. Fear is the basis of the whole thing -- fear of the mysterious, fear of defeat, fear of death. Fear is the parent of cruelty, and therefore it is no wonder if cruelty and religion have gone hand-in-hand. It is because fear is at the basis of those two things. In this world we can now begin a little to understand things, and a little to master them by the help of science, which has forced its way step by step against the Christian religion, against the churches, and against the opposition of all the old precepts. Science can help us to get over this craven fear in which mankind has lived for so many generations. Science can teach us, and I think our own hearts can teach us, no longer to look around for imaginary supports, no longer to invent allies in the sky, but rather to look to our own efforts here below to make this world a fit place to live in, instead of the sort of place that the churches in all these centuries have made it


2008-04-29

واشنطن (1) Washigton

البيت الابيض
النصب التذكارى لواشنطن
صورة اخرى للنصب التذكارى وخلفه النصب التذكارى لابراهام لينكولن
مجموعة متاحف سميزونين Smithonion

مدينة واشنطن - العاصمة

السيدة العجوز كما احببنا ان نطلق عليها خلال الزيارة ، انها المدينة الامريكية الاوربية الطابع – وعلى الرغم من اننى لم اغادر مصر قبل تلك الزيارة – الا انها الكلمة الى سمعتها من مجموعة الشباب الاوربيين الذين شاركونا الزيارة وكانوا ثلاث فقط من دول ما كان يطلق عليها دول اوروبا الشرقية ، صربيا – الشيك – بلغاريا . وربما حتى من المقارنة بالمشاهدة من خلال زياراتنا لباقى المدن الامريكية الاخرى.
بالفعل بدت واشنطن كسيدة عجوز راقية لديها من الرقى والكلاسيكية ما يجعل امثالى من عاشقى السكون والهدوء يقعون فى غرامها منذ النظرة الاولى ، مدينة هادئة تبدو مبانيها المبنية بالحجارة والآجر الاحمر كأنها مدينة من مدن القرن الثامن عشر وهو بالفعل امر متعمد حاول مؤسسو المدينة ومن تلاهم المحافظة عليها بنفس الطابع – الشوارع الواسعة النظيفة ، المبانى متوسطة الارتفاع ، كل شئ مغسول بفعل امطار خفيفة تتساقط يومياً ، الشمس التى تظهر وتختفى على استحياء خلف مجموعة من السحب المتناثرة فى سماء شديدة الزرقة تجعل من صباح ايام واشنطن اياماً مميزة لساكنى المناطق شديدة الحرارة من امثالى .
لم ألحظ الا حين عودتى لمصر اننى فى اشنطن قد استهلكت 5 اسطوانات فيديو لم افعل فيها اكثر من التجوال وتصوير واشنطن : المبانى والشوارع ، الامطار والسماء والسحب ، اشارات المرور ومحطات المترو ، المحال والمطاعم والبارات . ربما تكون صدمة المرة الاولى لمن لم يسبق له السفر الى الخارج من قبل وربما كانت صدمة المقارنة بين قاهرة المعز وواشنطن العاصمة.
نصف مليون نسمة فقط يسكنون مدينة واشنطن التى يمتنع فيها تماماً بناء الابراج او ناطحات السحاب او اى نوع من المبانى يعلو ارتفاعه عن مبنى النصب التذكارى لمدينة واشنطن ، وهو لسخرية القدر المبنى البالغ من الارتفاع تقريباً 166 متراً على شكل مسلة مصرية يتوسط المسافة ما بين مبنى الكونجرس والنصب التذكارى لابراهام لينكولين الرئيس الامريكى الأشهر ، والعجيب هنا اننى لسنوات طوال كنت مقتنعاً – لاسباب لا اعلم مصدرها – بأنها مسلتنا المصرية التى وصلت بشكل او بآخر الى الولايات المتحدة ، وهو الامر الذى علمت بأنه ليس صحيحاً بنظرة واحدة للمبنى الرخامى الذى لم يأخذ من المسلة المصرية الا شكلها الهندسى فقط.
واشنطن العاصمة ( كلمة العاصمة هنا والتى تلاصق واشنطن ليس غرضها اعادة التذكرة بأنها العاصمة لكنها وسيلة للتفرقة بين مدينة واشنطن الفيدرالية والتى تسمى " واشنطن دى سى Washington D C " وهى العاصمة والحروف هنا ترمز الى كلمة District of Colombia او مقاطعة كولومبيا نسبة الى كريستوفر كولومبس الرحالة البرتغالى الذى اكتشف القارة الامريكية – اما واشنطن الاخرى فهى ولاية واشنطن التى تبعد عن مدينة واشنطن حوالى 5الالاف كيلومتر فى اقصى الشمال الغربى وهى ولاية ضمن الاتحاد الامريكى تحمل نفس الاسم تخليداً لذكرى هذا الرجل جورج واشنطن اول رئيس امريكى للولايات المتحدة المستقلة حديثاً عن الامبراطورية البريطانية والتى تشتهر بها مدينة سياتل مقر امبراطورية مايكروسوف وثانى المدن الامريكية التى توجهنا اليها بعد ذلك.
هى مدينة الادارة الامريكية وليس فقط عاصمة دولة الولايات المتحدة الامريكية ، المدينة الفدرالية التى يختلف النظام فيها عن كل المدن والولايات الامريكية الاخرى ـ فلم تشارك واشنطن مثل غيرها من المدن الامريكية فى الولايات المختلفة فى الانتخابات الرئاسية الا منذ اربعون عاماً لا اكثر قبلها كان يمتنع على ساكنى واشنطن العاصمة المشاركة تماماً فى الانتخابات الامريكية بل ان ممثليها فى المجالس النيابية والتشريعية كانوا بلا اصوات تحتسب فى تلك البرلمانات .. انها المدينة ذات الطابع الخاص .
ولأنها مدينة الادارة الامريكية فأن كل من يعيش بتلك المدينة هو بصورة او بأخرى مرتبط بأمور تخص الادارة الامريكية ، فالمنازل كلاسيكية راقية تحوطها الاسوار الحديدية المغطاة بساتر من النباتات الخضراء – الشوارع واسعة نظيفة تقف منبهراً من دقة اشارات المرور واتباع البشر السائرين والراكبين لتلك الاشارات الالكترونية ، محالها التجارية كلاسيكية الطابع فهنا العديد من محال التحف والانتيكات ربما اكثر من باقى المدن الامريكية ، المكتبات ومحال بيع الكتب التى تبيع الكتب المطبوعة بالعديد من اللغات ـ وحتى المطاعم هنا هى اشبة بأماكن تجمع لجاليات اصحاب المطعم – فالمطعم اليابانى والصينى والباكسانى والمكسيكى والهندى اغلبها مراكز لقاء لتلك القوميات وفيها اجواء تلك الدول .
أحببت واشنطن منذ اللحظة الاولى واحببت التجوال فى مبانيها ونصبها التذكارية ، فهنا نصب ابراهام لينكولن محرر العبيد وقائد امريكا الموحدة بعد الحرب الاهلية والرئيس الاشهر فى التاريخ الامريكى .
وهناك النصب التذكارى لمدينة اشنطن " على شكل المسلة المصرية " مذكراً المواطنين والاجانب بأسم الرئيس الامريكى جورج واشنطن اول رئيس للولايات الامريكية المتحدة واحد الاباء الاوائل المؤسسين للاتحاد ، واذا كان ابراهام لينكولن هو الرئيس الاشهر فان جورج واشنطن هو الرئيس الخالد فى تاريخ امريكا ، هو نبى امريكا وايقونتها الاغلى.
النصب التذكارى للحرب الكورية ، وللجنود الامريكيين الذين قتلوا فى الحروب المختلفة يتصدرها لوحة من الرخام الاسود كتب عليها بخط عريض " الحرية .. ليست مجانية Freedom is not .. Free " مذكرة الامريكيين قبل غيرهم ثمن ما دفعته امريكا نظير بنائها وبقائها الدولة الاقوى والاغنى الان .
فى واشنطن مجموعة من المتاحف المجانية الدخول لكل الزوار وتسمى متاحف سميزونيون Smithsonian نسبة الى مؤسسها المهاجر الامريكى الفقير سميث الذى تحول الى ملياردير امريكى ومات تاركاً ثروته كوقف يصرف منه على معهد علمى باسمه ومجموعة المتاحف تلك شارطاً ان تكون الزيارة الى تلك المتاحف مجانية لكل من يريد – متحف فى الفن وتاريخ الفن – متحف الامريكيين الاصليين – متحف الفضاء والطيران – متحف التاريخ الطبيعى.
تعجبت حين تجولت فى تلك المتاحف ، فعلى الرغم من رقيها واناقتها الا انها فقيرة المحتوى الى حد كبير – فبعض اللوحات فى متحف الفن ـ وقطع متناثرة من بعض المتعلقات للهنود الحمر فى متحف الامريكيين الاصليين – وبعض الحفريات ونماذج مجسدة لبعض الحيوانات فى متحف التاريخ الطبيعى هى كل ما استطاع الامريكيون عرضه فى متاحفهم ـ فدولة مثل الولايات المتحدة الامريكية بتاريخ لا يتجاوز مئات الاعوام من الصعب عليها بناء متحف ثرى بمحتواه اللهم الا متحف الطيران والفضاء فقد ألقى الاميركيون بثقلهم فى هذا المتحف .. ربما شعوراً بالنقص تجاه التاريخ المبتسر لامريكا ـ فصنعت متحفاً عما فعلته منذ بضع عشرات من الاعوام وغيرت به وجه العالم – ففى متحف الفضاء وتاريخ الطيران يمكنك مشاهدة كل شئ عن تاريخ الطيران منذ الاخوان رايت بامريكا وانتهاء برحلات ابوللو وزيارة القمر واحدث انواع مكوكات الفضاء والاقمار الصناعية ، وكأن امريكا تقدم فى هذا المتحف افضل ما فيها ولو لم يكن تاريخاً يحسب بالالاف من السنين .
اقول تعجبت – وربما تألمت قليلاً – حين قارنت فى نفسى بين تلك المتاحف الفخمة هزيلة المحتوى وبين بلادى غنية التاريخ فقيرة الحاضر والمستقبل وما تفعله بتاريخنا وما تبقى من تاريخنا.
تضم واشنطن ثلاث من اكبر الجامعات فى امريكا جورج ماديسون ، جورج واشنطن ، الجامعة الامريكية " التى يوجد احد فروعها العديدة فى مصر ".. وحين اجتزنا بوابة جامعة جورج واشنطن فى مدينة واشنطن العاصمة ادركت لماذا اطلق الامام محمد عبده مقولته المشهورة حين زار باريس للمرة الاولى – لم تكن الزيارة الى الجامعة طويلة لكنها كافية كى ترى شباباً تعلم ممارسة الخدمة العامة تجاه الاخرين منذ الصغر لذا لم يجد صعوبة بعد ذلك لان يكون متطوعاً نشطاً فى العديد من الانشطة والبرامج الخدمية ، كافياً لا تدرك ان قانون " لا استثناء " هو المحرك الاول والاخير والحافز الاعظم لهولاء الشباب الذى يعلم انه بعلمه قادر حتى على ادارة تلك البلاد فى يوم من الايام دون النظر الى خلفيته الاجتماعية وغيره – مع تسليمنا المطلق بوجود مشكلات عصية تحت السطح – كافياً ايضاً لك تدرك انك امام شباب يتحدث بمنتهى الحرية غير مرعوب من اجهزة امن ربما ارسلته الى ما يعرف ب " ورا الشمس ".
احببت واشنطن منذ اللحظة الاولى كما اننى اعجبت بالنظام الامريكى منذ اللحظة الاولى – تحب امريكا او تكرهها – تلك ليست المشكلة ، لكنك بقدر بسيط من الموضوعية والصدق مع النفس ستعلم تماماً سبب هذا الاعجاب.

يقول الامام محمد عبده فى مقولته المشهورة " هناك فرقاً شاسعاً بيننا وبينهم .. فقد رأيت فى بلادهم اسلاماً بلا مسلمين وفى بلادنا مسلمين بلا اسلام "
اتفق فقط مع النصف الاول من الجملة .

2008-04-25

توطئة




صور لمدينة واشنطن العاصمة الامريكية



احنا عايشين فى كدبة كبيرة ومصدقينها ، ودور الحكومة الوحيد انها تراقب اننا مصدقين الكدبة دى .

خالد الخميسى على لسان سائق تاكسى فى عمله الرائع " تاكسى "



لا اعرف من اين تكون البداية هل من تلك اللحظة التى دخلت فيها الى السفارة الامريكية فى القاهرة فى مقابلة التأشيرة والتى بدأت قبلها مجموعة من الاتصالات مع مكتب الشئون الثقافية بالسفارة ، ام البداية تكون مع لحظة التوجه الى مطار القاهرة الدولى احمل مع جواز السفر تأشيرة لمدة شهرين تقريباً والخطوط العريضة للبرنامج خلال الاسابيع الثلاثة التالية وهى المرة الاولى لى خارج مصر على الاطلاق .على ايه حال بدأت الرحلة ، لم اشعر بالقلق على الاطلاق فانا لست مهاجراً او مغامراً بطبعى ، كما ان الزيارة مخطط لها بمنتهى الدقة ، بل ان حتى مسئولى مكتب الشئون الثقافية بالسفارة الامريكية لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة الا واحصوها من اجرة التاكسى الى المطار وانتهاء بنوع كارت التليفون الذى يمكن شراؤه فى الولايات المختلفة .
كان من حسن الطالع ان تجلس بجانبى فى الطريق من القاهرة الى فرانكفورت سيدة امريكية مسنة فى السابعة والستين من عمرها كما ذكرت لى ، وفى دقائق معدودة وعلى غير عادتى فى السفر تجاذبنا اطراف الحديث ، كانت لطيفة ومرحة وعلى الرغم من انها لم تتوقف عن الكلام قرابة الاربع ساعات التالية ، الا اننى كنت سعيداً بالتعرف عليها ، فقد حكت عن زياراتها المتتالية الى مصر وكيف انها تحب هذا البلد على الرغم من مشاكله العديدة ، كانت صدفة سعيدة التعرف على سيدة تعيش الحياة الامريكية بعيداً عن الرسميات والدبلوماسية انتهى لقاءنا بتبادل عنواين البريد الالكترونى على امل الاتصال بعد ذلك .

من اصعب الاشياء على الاطلاق ان تكتب عن زيارة قصيرة الى بلد يعد الدولة الاعظم الآن ، زيارة هدفها الاول والاخير خلق حالة انبهار بهذه الدولة وان تكون بنهاية هذه الزيارة سفيراً فوق العادة لهذه الدولة واقصد بالطبع الولايات المتحدة الامريكية .
ذهبت وانا معبأ تماماً بأننى سأكون موضوعياً ، اتأمل واراقب والا احكم على الامور مطلقاً لاسيما وانها زيارة تهدف اولا واخيراً الى التعرف على الوجه الصالح لامريكا.
واعترف بأننى فشلت فى ذلك منذ اللحظة الاولى ، فما هى الا ايام قلائل حتى وجدتنى فيم يشبه الانبهار او قل الصدمة ان شئت الدقة ، وجدتنى – رغماً عن ارادتى- فى موضع المقارن لا المراقب ، فى موضع الناقد لا المتأمل .. وكان الاحساس الوحيد المسيطر على هو مزيج من الانبهار والحسرة فى آن واحد ، انبهار ليس بنمط الحياة الامريكية ولا اضوائها لكنه انبهار بقدرة هذا البلد على ضبط ايقاع العلاقة بين الحكومة والشعب ، انبهار سببه الاساسى كيفية ووسائل معالجة المشكلات المختلفة بهذا البلد .
من المؤكد ان الولايات المتحدة ليست جنة الله فى الارض ، ومن المؤكد ايضاً انها مثلها مثل كل دول العالم بها العديد من المشكلات والتعقيدات يبقى فقط ان هناك حالة حياة حقيقة تملأ اطراف الدولة ( مواطنين وحكومة ) تجعلها قادرة على ايجاد الحلول والخطو نحو المستقبل .
اعترف ان التدوينات التالية لن تكون موضوعية و لن تكون صادرة من شخص يحمل قدراً كافياً من الثقة فى وطنه ومن فيه ، انها انطباعات واراء ستبدو فى كثير من الاحيان متحاملة على ما فى اوطاننا تحامل قد يصل فى بعض الاحيان الى حد القسوة ، لكنها قسوة منبعها الحسرة على حالنا وغيرة حقيقة يتمنى صاحبها ان يرى ما فى بلاد العم سام – جانبه الايجابى وهو اكثر كثيراً مما نتصور– امراً قابلاً للتطبيق فى بلادنا وجزء من ثقافتنا .

2008-02-25

صعيدى فى الاراضى الامريكية


الوجه القبيح لامريكا the ugly face of America ، ربما كانت تلك الجملة هى كلمة السر التى فتحت لى باب السفر للولايات المتحدة الامريكية - وخارج مصر عموماً - لاول مرة فى حياتى فى زيارة لمدة ثلاثة اسابيع للاراضى الامريكية ، لم اخطط لتلك الزيارة ولم اسعى اليها بل انى حتى ما قبل السفر بيومين لم اكن متاكداً من الامور تسير على يرام ، سيما وان زوجتى العزيزة قد قررت ان تضع مولودنا الاول فى نفس اليوم الذى اتصلت بى مسئولة الشئون الثقافية بالسفارة الامريكية بالقاهرة تؤكد ميعاد السفر وانه خلال ثلاثة ايام بعد فترة اعداد وانتظار لهذه الزيارة قارب الثمانية اشهر تقريباً .
الوجه القبيح لامريكا the ugly face of America ، كانت هى ردى الوحيد على سؤال اصبح ايقونة لدى الامريكيين فى كل مكان واقصد هنا من يهتم فقط بالسؤال واجابته ، والسؤال هو كيف يرى الاخرون امريكا الان ؟
كان السؤال صادر من احد مسئولى المعونة الامريكية فى مصر بعد زيارة ميدانية قام بها لاحد القرى التى تنفذ بها المعونة مشروعاً من مشروعاتها بالتنسيق مع جهة عملى وبعد ان لاحظ حالة التوجس وعدم الارتياح التى قوبل بها اثناء الزيارة من المستفيدين من المشروع بالقرية على الرغم من المحافظة على عادات اهل صعيد مصر – حيث اعمل واقيم – من اكرام الضيف وخلافه .
كان هذا ردى الوحيد والتلقائى على سؤاله ، فمنذ احداث الحادى عشر من سبتمبر – مع عدم خوضنا فى الاسباب والنتائج – اصبحت صورة الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الاوسط قاتمة ومعتمة الى حد كبير ، نعم كانت هناك حالة من حالات التحفظ قبل ذلك على دعم الولايات المتحدة المطلق لاسرائيل على حساب الفلسطينين وهو ما ادخل القضية الفلسطينية فى متاهات المفاوضات الامنتهية لكنه كان تحفظاً لا اكثر ، تحفظ يميل الى ما يشبه عتاب العاشق الذى يرى محبوبته تميل الى آخر مع كل ما يبديه هو من وله وولع . لكن ظلت امريكا فى عقول وقلوب العديد من الشباب العربى وشباب العديد من دول العالم الثالث هى الامل فى حياة افضل .. هى ارض الفرص والثراء والرفاهية .. هى ارض الحرية .. ارض الاحلام .
ومع قدوم الرئيس الامريكى جورج بوش الابن ووقوع احداث الحادى عشر من سبتمبر ، وبدء سلسلة من السياسات الحمقاء والاقوال الاكثر حمقاً ، بدءاً من كلمات حول عودة الحروب الصليبية وانتهاء بمئات الالوف من القوات الامريكية التى تحتل العراق الآن وما اوصلته تلك السياسات الى ما يشبه حطام دولة فى العصور الوسطى .
اختلفت الصورة تماماً لدى العديد من الشعوب لاسيما فى دول العالم الثالث مع بدايات هذا القرن ، فأصبح هناك ما يعرف بحالة من حالات العداء الواضح لامريكا وهو ما اطلق عليه المؤلف الامريكى ديك مارتن مؤلف كتاب " اعادة بناء سمعة امريكا Rebuilding Brand America " اسم قرن العداء لامريكا The Anti-American Century ، وهو الكاتب الذى تم دعوتنا بعد ذلك فى اثناء الزيارة الى حضور ندوه ثقافية يعرض فيها كتابه وافكاره ، وكان ان حصلت على هذا الكتاب القيم موقعاً عليه من الكاتب نفسه . وهو العداء الذى – فى رأئى – سببه ثلاث سياسات مارستها الادارات الامريكية المتعاقبة – جمهورية كانت ام ديموقراطية – فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية : اولها كما ذكرت الدعم المطلق لاسرائيل على حساب الفلسطينين ، والثانى هو ايضا الدعم المستمر لكل النظم الديكاتورية التى تحكم فى العالم العربى طالما انها تنفيذ الاجندة الامريكية فى المنطقة وهو الدعم الذى غالباً ما كانت الشعوب العربية تدفع ثمنه باهظاَ من امنها وحريتها وكرامتها ، وثالث هذه السياسات هو دخول امريكا الى تلك المنطقة التى غالباً ما تدخلها كل الامم الغنية القوية حديثة النشأة وهو منطقة " صناعة الامبراطورية " وذلك بالتدخل العسكرى المباشر فى اراضى الغير ، ليس رداً على عدوان – كما فى حالة قصف ميناء بيرل هاربور الامريكى من قبل الطيران اليابانى فى الحرب العالمية الثانية – وهو المبرر لدخول الولايات المتحدة الامريكية الحرب فى ذلك الوقت ، ولكنه تدخل مباشر وبشكل بربرى لاسباب استعمارية بحته وواضحة .
بعد اسبوع من تلك المحادثة القصيرة بينى وبين مسئول المعونة الامريكية كان ان تلقيت الدعوة للمشاركة فيما يعرف ببرنامج الزائر الدولى International Visitor Programe ، وهو برنامج يشرف عليه مكتب الشئون الثقافية بالسفارة الامريكية بالقاهرة ويتم فيه دعوة بعض الافراد من دول العالم الثالث والذين يعملون فى مشروعات تمس المصالح الامريكية فى المنطقة ويهدف البرنامج الممول من وزارة الخارجية الامريكية الى تحسين الصورة والتعرف على الوجه غير القبيح لامريكا لمجموعات كبيرة من الافراد سنوياً وذلك تحت العديد من المسميات تحددها خلفية الافراد المشاركين فهناك مجموعات تسافر فى اطار زيارات حول انشطة " المحافظة على البيئة " واخرون فى مجال " الاقليات والاديان " واخرون – كما فى حالتى - فى اطار " المنظمات غير الحكومية والحقوق المدنية " وهكذا قدر لى – على غير ميعاد – ان اكون بعد تلك المحادثة بشهور على احدى طائرات شركة " لوفتانزا " الالمانية فى طريق الى فرانكفورت للتوقف وتغيير الطائرة عبر شركة " يونيتد " متوجهاً الى الولايات المتحدة الامريكية فى زيارة لمدة ثلاثة اسابيع ، تشمل اربع ولايات امريكية الى جانب العاصمة واشنطن .
وليسمح لى زميلى العزيز فؤاد بأن استعير مصطلحه الشهير " ارتداء قبعة الخبير " ، وان ارتدى قبعة الخبير محاولاً عرض ملاحظات هى اقرب للوصف لا للتحليل ، بالسرد لا بالدراسة – فى التدوينات القادمة - ليوميات صعيدى فى الاراضى الامريكية .